الرئيسية » المدونة » المشير سعد خير

المشير سعد خير

يصعب أن أكون موضوعياً في حديثي عن مدير المخابرات الأردنية الأسبق، المشير سعد خير، الذي ورد اسمه في تسريب “وثائق سويسرية”، التحقيق الصحافي الذي أعدّه “مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود وشركاؤه” (0CCRP) الذي استند إلى وجود 40 حساباً مالياً مملوكاً لأكثر من 12 شخصية استخبارية، من مصر وباكستان والأردن وغيرها. ولأجهزة المخابرات حصانة ومكانة ومهابة، تقصر الحديث عنها في العالم العربي على المدح والإشادة، بقدر ما تمنع أي مراجعة أو نقد لدورها وأدائها. فوق ذلك، اعتُقلت مرتين في عهد إدارته الجهاز من دون أيّ ذنب، غير القيام بعملي الصحافي. وما يزيد الحرج أنّ الرجل في ذمة الله، الأمر الذي يوقع بشبهة الاستقواء على راحل.

ولكن ما يشجّع على الحديث، ولا يضير مقالاً ناقداً أنّ الرجل نال من المجد ما لم ينله مدير مخابرات في العالم، إلى درجة إنجاز فيلم هوليودي عنه “حزمة أكاذيب” (Body of Lies) الذي استند إلى رواية الكاتب المتخصّص في الاستخبارات في “واشنطن بوست”، ديفيد إغناتيوس، وحققت عروضه إيراداتٍ عالية. كما أغدق على سعد خير سلسلة ألقاب، منها “الشيخ” التي تُمنح لشيوخ العشائر، و”المشير” التي تُمنح للعسكريين حصراً. وإذ أصدر الديوان الملكي الأردني بياناً مفصلاً بشأن حسابات الملك عبد الله الثاني والملكة رانيا، ومصادر دخلهما وأوجه إنفاقهما، فلا يضير أن يصدر بيانٌ لمن لا يملك مكانة الملك وحصانته الدستورية، سيما أنّه حوكم أمام القضاء مديرون سابقون للمخابرات.

ولا تقلّل المراجعة النقدية أو المحاكمة القضائية من الدور الذي لعبه جهاز المخابرات في حماية أمن البلاد منذ تأسيسها. ويسجّل أنّ معظم مديري المخابرات، بمن فيهم من وصلا إلى رئاسة الوزراء (مضر بدران وأحمد عبيدات)، لم يجمعا ثرواتٍ كالثروة التي جمعها سعد خير. واليوم، بعد نشر الحسابات، من حقّ المواطن الأردني تماماً، كما من حق أسرة الراحل، إزالة اللبس، وتوضيح حقيقة الحساب المليوني.

وجّه الملك عبد الله الثاني، قبل عام، إلى مدير المخابرات الحالي، أحمد حسني حتوقاي، رسالةً بثتها وسائل الإعلام، طالب فيها المخابرات بألّا تتعدّى اختصاصها، وهو ما يذكّر بأنّ المخابرات الأردنية حققت في عهد سعد خير ذروة نفوذها، وكانت سلطةً عليا تتحكّم في الحكومة، ومجلس النواب والنقابات والصحافة. في تلك الفترة، اعتقلتُ مرتين، اعتقالاً لا يقارَن بما يجري في بلدان عربية أخرى، يختفي فيها المعتقل شهوراً وسنوات، من دون أن يجرؤ أحد عن السؤال عنه. في المرتين، كانت التهمة مطّاطة ولها علاقة بالإرهاب، “الحض على القيام بأعمال إرهابية” وغيرها .. خرجتُ بعد 24 ساعة من الاعتقال، لكنّه كان انتهاكاً فظيعاً لحقوقي الدستورية.

اقتحمت البيت يومها عناصر من شعبة مكافحة الإرهاب، وروّعت أسرتي بسبب تغطيتي أحداث مدينة معان في العام 2003، قلت يومها للضابط إنّ الدستور يحصّن بيوت الأردنيين، وإنّ اعتقال أيّ صحافي يتطلب وجود ممثل من النقابة. ذلك كلّه لا قيمة له تحت شعار “مكافحة الإرهاب”. خرجتُ بعد 24 ساعة، لكن ثمّة من خسروا سنواتٍ من عمرهم وفقدوا وظائفهم بسبب الصلاحيات المطلقة.

في النهاية، كانت الولايات المتحدة تُغدق مليارات على البلد دعماً لمكافحة الإرهاب. وبإحساس وطني ساخر، تسامح بحقوقك مقابل “المنتجات الأمنية” التي توصف بأنّها “أهم صادرات الأردن” لكنّ الموارد التي يحققها التصدير هي للخزانة العامة الخاضعة للتدقيق، وليست مورداً شخصياً يحظى بحماية الخصوصية البنكية. يمكن الدفاع عن الحساب البنكي بأنّ طبيعة عمل المخابرات تقتضي السرّية، لكن لماذا في بنك سويسري؟ تلتزم البنوك المحلية بالسرّية المطلوبة، وتكون تحت سيطرة الأمن بصورة أفضل، ويمكن استخدام الدفعات النقدية وغيرها. وفي النهاية، تبقى الأموال في البلد وتحت الرقابة الوطنية.

دلالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *