الرئيسية » المدونة » النظام التعليمي فاشل ، لكن نجحت يا علي

النظام التعليمي فاشل ، لكن نجحت يا علي

لم نساعدك أكثر من المطلوب، للأسف لم أتمكن من أن أوفّر لك نظاما تعليميا مثل خلق الله المتحضرين. نظاما كما درسنا في الجامعة يخلق التنافس مع الذات،ويحفّز المواهب ويراعي القدرات وتعدد الذكاءات.
لا زلت أذكر جدال جدّك التربوي الذي ألف مع الدكتور نهاد الموسى مناهج اللغة العربية للمرحلة الثانوية، مع معلماتي صغيرا بأنه لا يجوز تمييز المتفوق دراسيا وحده، لا بد من شعور كل طالب بالتميّز، وبدلا من جو التحاسد والتباغض لا بد من جو المنافسة مع الذات والشعور بالتقدير من المحيط، قبل أكثر من أربعة عقود كان يقول ذلك وإلى اليوم لا نراه واقعا.
نجحت أنت وتفوقت، ولكن النظام التعليمي فاشل. بذلنا أنا وأمك معك ومع أخواتك كل جهدنا لتأمين أفضل تعليم لك، دون النظر في الكلفة، كنا ندرك إن العلم أغلى سلعة ممكن أن يدفع ثمنها. جُربت فيك كل أنظمة التعليم في الأردن وقطر. من التعليم الوطني في مدارس الدر المنثور، إلى نظام السات الأميركي في ساندس إلى المنهاج البريطاني في بناة الغد، ثم نظام البكالوريا في ابن رشد والمدرسة الإسبانية في الدوحة، والعودة إلى النظام البريطاني في نيوتن في الدوحة . ثم العودة إلى عمان وإتمام تعليمك في النظام البريطاني في مدارس بناة الغد.
ليسوا سواء، وهنا أشيد بتجربة ابن رشد في تعريب نظام البكالوريا التجربة الرائدة عربيا، وبناة الغد في ثنائية اللغة ومراعاة القيم والهوية . والدر المنثور في أخلاص الفريق التدريسي وفق منهاج بنات فادية الطباع.
في ذلك كله، بين عمان والدوحة، لم يكن ثمة ” نظام تعليمي” كان ثمة تجريب وأنت حقل تجارب. فمهما كان المعلم والمدير والمدرسة ناجحين فإن النظام أكبر منهم، والمنهاج أشمل. وهذا ما نفتقده في عالمنا العربي، مع إن قطر والأردن في التصنيف العالمي بلدان متقدمان تعليميا على مستوى عربي.
نجاحك ليس في علامة الثمانين في المنهاج البريطاني، ولكنه في شخصيتك، الشغوف بالمعرفة، شلّال الأسئلة الذي لا يتوقف، الدين والقيم والأخلاق و الهوية. منتم لوطنك محب لأهله، تماما كحبك لأسرتك، تهتم بجدك الكبير كاهتمام بأختك الصغيرة، تعطي بلا مقابل.
تنشغل في معان، أرض أجدادك، وتتابع أخبار عمان التي نشأت فيها وتحب الدوحة التي كبرت بها. تضع علم الثورة السورية على حاسبك في التويتر، وتتابع أخبار الانتخابات الأميركية وتسألني لماذا لم يصدر قيس سعيد بيانا عن التطبيع حتى الآن ؟
لم ألقنك ذلك،ولم أرد لك أن تهتم بالسياسة والصحافة، انجذبت لذلك، ربما لأني صديقك. درست في الجامعة أن الطفل علندما يبلغ سن المراهقة ينصرف عن والديه إلى شلة الأصدقاء. وكنت أترقب ذلك اليوم، لأكتشف أني من شلة أصدقائك، أو الصديق المفضل الذي تناقشه وتسأله وتتحدث معه وتستسر له.
حبيبي علي، على الرغم من فشل النظام التعليمي، إلا أنك وجدت نظاما أفضل مما نشأنا عليه. فيه فوضى لكن فيه ثراء وتنوع، وأنت وصلت لشاطئ الأمان في رحلة عاصفة، حملت الكثير من الخبرات والتجارب، والصداقات المتنوعة، لم أكن أتخيل أن يكون نمساوي صديق لابني، ومصري وليبي وسوري ..
أهنئك، على ما أنت عليه، والعلامة هي جزء من نجاحك الكبير، وسط فشل كبير. وأحمد الله أن مكنني من تأمين أفضل تعليم ضمن المتاح. وأعلم أن أقارب لك لم يجدوا الفرصة لإكمال تعليمهم المدرسي في القرن 21 . ما نجحت في زرعه فيك، أن فرحك بما عندك لا يشغلك عن الاهتمام بمن ليس عندهم. وهذا ما يصنع التوازن في الشخصية، أفتخر بك وأفتخر بأخواتك، وتعلمت منكم الكثير. أفاجأ عندما تسحبون من بطاقتي تبرعا لليمن أو لبنان ، و تحاربون أكياس البلاستك حفاظا على البيئة. وهذا بفضل النظام التعليمي الذي أنتقده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *