الرئيسية » المدونة » الهزيمة في ليبيا والرد في تونس

الهزيمة في ليبيا والرد في تونس

في الوقت الذي بدأت فيه ملامح هزيمة مشروع الثورة المضادة تتضح في ليبيا، بدأت جولة جديدة من التخريب في تونس، من خلال فتح عدة جبهات، ومن ذلك محاولة الوقيعة بين مجلس النواب والرئاسة التونسية، وإثارة معارك جانبية في المجلس بين الكتل، ليس حبا بالرئيس قيس سعيد، وإنما رغبةً في تفكيك مؤسسات الدولة عبر ضربها ببعضها، مع أنها قدّمت نموذجا قل نظيره عالميا في التوافق والتعاون، سواء داخل كتل مجلس النواب أو بين المجلس ورئيس الجمهورية.

بموازاة ذلك تُستغل الأزمة الاقتصادية وأزمة كورونا لتحريض الاتحاد العام التونسي للشغل والعمال على افتعال أزمات جديدة.الجديد خلال الأسبوع الماضي حملة غير مسبوقة لشيطنة حركة النهضة ورئيسها الشيخ راشد الغنوشي. هبطت أذرع أبو ظبي الإعلامية، في الإمارات والسعودية ومصر، إلى مستوى غير مسبوق من البذاءة والانحطاط في أكاذيب تثير السخرية، فالشيخ الذي يحظى باحترام عالمي، لنزاهته الفكرية والسياسية والمالية، سرق مليارات ولديه طائرة خاصة! “قصور ضخمة في مناطق سياحية وطائرة خاصة وسيارات فاخرة”، تغرّد الإعلامية اللبنانية المقيمة في الإمارات بهذه الأساطير، وتأتي صحيفة الشرق الأوسط السعودية اللندنية لتتحدث عن مطالب بالتحقيق في ثروة الغنوشي، ومعها صحف إماراتية ومصرية .. في استعراضٍ مكشوفٍ للأذرع الإعلامية للثورة المضادة، وذلك كله بالتزامن مع تحرّك جماعة الإمارات في تونس، من أجل تنظيم فعالياتٍ تطالب بحل مجلس النواب.


تدرك الإمارات أنها فشلت في تخريب تجربة التحول الديمقراطي الوحيدة التي نجحت في العالم العربي، ولكن محاولتها لم تتوقف منذ عقد، والخشية من أن تلجأ إلى استخدام ورقة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مجدّدا، كما حصل في اغتيال المحامي والناشط شكري بلعيد في فبراير/ شباط 2013. خصوصا أن اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، متحالف في ليبيا موضوعيا مع “داعش” الذي تمكّنت حكومة الوفاق وحلفاؤها من هزيمته، وهو ماهر في ممارسة لعبة الاغتيالات والتفجيرات في ليبيا، والخوف من أن ينقلها إلى تونس.
مؤكّد أن وعي الشعب التونسي ونخبه، خصوصا في مجلس النواب والرئاسة، قادر على الصمود في وجه الثورة المضادة. ولكن هذا يتطلب تحرّكا لمواجهتها داخليا وخارجيا. داخليا، لا بد من مقاضاة من يمارسون الاغتيال المعنوي والتحريض على القتل والإرهاب، واليقظة الأمنية. وخارجيا، لا بد من التعاون مع حكومة الوفاق لمواجهة إرهاب حفتر، خصوصا أن الجزائر والمغرب أقرب إلى حكومة الوفاق، ولم تستقبلا حفتر.


التحرّك في تونس تفسّره تغريدة وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، تعليقا على هزيمة حفتر في الوطية، “الأزمة الليبية مستمرة منذ قرابة 10 سنوات”، فهو يرى الأزمة في الربيع العربي وإطاحة الدكتاتور القذافي، ولا حل لها إلا بدكتاتور آخر مثل عبد الفتاح السيسي في مصر، ولذلك تدعم الإمارات إلى اليوم بشار الأسد. والحقيقة أن أزمة ليبيا حلت قبل 10 سنوات في ملحمة بطولية للشعب الليبي، سانده فيها العالم. وبعدها عاش بسلام وجرت أكثر من انتخابات، ولم يهيمن عليها الإخوان المسلمون، فقد تقدّم في آخر انتخابات (في العام 2012) التحالف الذي أقامه محمود جبريل. لكن الإمارات أوقعت البلد في أزمة، عندما ظنت أنها قادرة على صناعة سيسي في ليبيا.


المفارقة أن السيسي نفسه ضاق بهزائم المشير، وبحسب ما قال مسؤول مصري لموقع مدى مصر، فإن مصر وحلفاءها يبحثون عن بديل له بعد هزيمة الوطية. لم تكن هزيمة سهلة، فالمشير حصل على دعم خلال سنوات تمرّده كلف مليارات، ووقفت معه الإمارات والسعودية ومصر وروسيا وإسرائيل وفرنسا، وقوى محلية وقبلية وتيار المداخلة المتشدّد .. وفي النتيجة، لم ينجح انسحابه التكتيكي في إتلاف مضادات الطيران الروسية المتطوّرة، ولا صناديق الذخيرة! مشير فاشل حتى في سحب قواته.
كان في وسع إعلام الإمارات الحديث عن الطائرات العسكرية التي تركها المشير في الوطية، بدلا من الحديث عن طائرة الغنوشي الخاصة! وكذلك الرد على القناة الإسرائيلية “12” التي نشرت صور الطائرة الخاصة الإماراتية التي نقلت الإسرائيليين من المغرب. رأى الناس صور تلك الطائرات، أما طائرة الغنوشي فشخصيا أطالب بإسقاطها، وهو فيها بالمضاد الروسي الذي صار عند حكومة الوفاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *