الرئيسية » المدونة » “باز” .. هل تنجح أن تكون منصة تواصل عربية؟

“باز” .. هل تنجح أن تكون منصة تواصل عربية؟

لا أنسى جواب الصديق حلمي الأسمر عام 1996 أنني سأعمل في قناة اسمها الجزيرة، ولم أكن أشاهدها، لأنه لا يوجد عندي “ستالايت”، فقال لي: هذه ستكون “سي إن إن العرب” .. استهجنت جوابه، وقلت له أين نحن من “سي إن إن”؟ لم أبق طويلا أيامها في “الجزيرة” التي تبثّ ست ساعات، ولا يشاهدها إلا من يملكون أجهزة ساتالايت، وفضلت الانتقال إلى صحيفة الحياة اللندنية التي يقرأها الجميع. خلال عام، صدقت توقعات الصديق الذي كان رئيس تحريري في صحيفة السبيل، وندمتُ على ترك “الجزيرة” التي غطّت عملية ثعلب الصحراء بعيونٍ عربيةٍ تختلف تماما عن تغطية “سي إن إن” التي أبهرتنا في تغطية حرب الخليح عام 1990 بعيون أميركية. ميزة “الجزيرة” إنها كانت ترى بعيون من يتعرّضون للقصف الأميركي، لا بعيون الطيار القاصف. كانت تجهيزات “سي إن إن” وقتها أفضل، وصحفيوها أكثر خبرة ومهنية، لكن المشاهد العربي لا يفهم لغتهم ولا يرى بعيونهم. تمكّنت “الجزيرة”، خلال أعوام، أن تُصنّف العلامة التجارية الإعلامية رقم واحد عالميا، والعلامة التجارية الخامسة بشكل عام. وصارت منافسا جدّيا على مستوى عالمي. الحضور العربي في البث الفضائي بدأ في “الجزيرة” وتنوّع وتعدّد. أما في الفضاء الرقمي، وتحديدا في منصّات التواصل، فقد ظلّ العرب في الفضاء الرقمي، وتحديدا في منصّات التواصل، مجرّد مستهلكين للمنصّات (“فيسبوك” و”إنستغرام” و”تويتر” و”سناب شات” و”كلوب هاوس”)، وانقسموا تجاه تلك المنصّات بين من رفضها مطلقا، باعتبارها “مؤامرة”، ومن قبلها مطلقا، باعتبارها قدرا لا رادّ له.

في الوقت المناسب، برزت منصّة باز، وهي استثمار لرجال أعمال عرب يتوزّعون بين أميركا وتونس والأردن وقطر

ولا مجال للتشكيك بما حقّقته تلك المنصّات عالميا وعربيا، على مستوى علمي وتقني ومالي وإعلامي وثقافي، وهي حقّقت تواصلا غير مسبوق في التاريخ البشري بين العرب والعالم، وبين الدولة الواحدة، وحتى الأسرة الواحدة. وما الربيع العربي إلا واحد من ثمار تلك المنصّات. لكن تلك المنصّات تبقى محكومة بالرؤية الأميركية. وقبل ظهور تلك المنصّات، نجح رجال أعمالٍ عرب في بناء مجتمع “مكتوب” العربي، ولا أزال مدينا لمدوّناته في التواصل مع أبرز المدونين العرب. يومها، اختارني مؤسّس “مكتوب”، سميح طوقان، أول مدوّن على الموقع، ونجحت تجربة التدوين الطويل نجاحا منقطع النظير، تماما كنجاح بريد “مكتوب”، وهو ما أغرى “ياهو” بشرائه. للأسف، بيع “مكتوب” بصفقةٍ مبهرة، وكان إنجاز “ياهو” أنها قتلت منافسا، وانتهت تجربة “مكتوب” باستيلاء “ياهو” عليها وإنهائها، ولو بقيت لسبقت “فيسبوك” و”تويتر”، أقلّه عربيا.

اشتبك العرب مع المنصّات، بسبب التدخل في المحتوى السياسي، سواء في “فيسبوك” أم “إنستغرام” أم “تويتر”، وآخر اشتباك بعد هبّة الأقصى الحالية وما تلاها من حرب. شخصيا، عانيت من تسلط “فيسبوك” على المحتوى الفلسطيني وفق الرؤية الصهيونية، تعرّضت صفحتي للعقوبات بسبب نشر صورةٍ للشيخ أحمد ياسين في ذكرى استشهاده.

نجاح المنصّة العربية يعني تطوير صناعةٍ تقنيةٍ عاليةٍ في منطقتها وتطوير كفاءات تقنية تعوّدنا أن تكون مفقودة في بلادنا

في الوقت المناسب، برزت منصّة باز، وهي استثمار لرجال أعمال عرب يتوزّعون بين أميركا وتونس والأردن وقطر. وقد أحسن المؤثرون، مثل الإعلامية علا الفارس، في استخدام منصّة عربية، على الرغم من حضورها العالمي على المنصّات الأخرى، فهي رسالةٌ إلى المنصّات الأميركية بأن لدينا بديلا، ولا تستطيعون التحكّم بمحتوانا وفق الرؤية الصهيونية.

هذا استثمارٌ يستحق الدعم لجملة أسباب:

أولا: بناء مساحةٍ في عالم التواصل الاجتماعي نستطيع من خلالها النشر والحوار بشفافية، من دون الخوف من الخضوع لسياساتٍ لا تراعي خصوصية مجتمعاتنا العربية وقضايانا التي تفرضها علينا المنصّات العالمية، إما لاعتبارات سياسية أو تجارية. هذا لا يعني أن المنصّة العربية يجب أن تخلو من معايير نشر وسياسات. بالعكس، لكن سياساتها يجب أن تعمل وفق معايير مختلفة تتناسب مع مجتمعاتنا وثقافاتنا. والجدل اليوم الدائر حول ممارسة المنصّات العالمية الحذف والتشويش على هاشتاغات ومحتوى داعم للقضية الفلسطينية، ومن قبله الثورة السورية، خير دليل على أهمية هذه النقطة.

ثانيا: لم ولن تهتم المنصّات العالمية، مرة أخرى، لأسبابٍ سياسيةٍ واقتصادية، بمحاربة التسلّط الرقمي من خلال الذباب الإلكتروني بشكل جدّي في منطقتنا، وسمحت للحكومات بالتغوّل على محتوانا العربي، والتي نجحت في مرّات كثيرة بتزوير الرأي العام العربي وعكسه لصالحها. لن يفهم أهمية محاربة الذباب الإلكتروني في ما يخص قضايانا العربية إلا نحن، وهذا ما نأمله في المنصّة العربية.

ثالثا: نجاح المنصّة العربية يعني تطوير صناعةٍ تقنيةٍ عاليةٍ في منطقتها وتطوير كفاءات تقنية تعوّدنا أن تكون مفقودة في بلادنا، حتى المتميزون العرب في هذه التقنيات هاجروا ليعملوا في الشركات العالمية، نجاح المنصّة العربية ومثيلاتها من المشاريع يعني النجاح بتطوير هذه الصناعة في بلادنا، ومشجع لمزيد من الاستثمار فيه.

منصّة باز، كونها المنصّة العربية الوحيدة المتوفرة حاليا، تعتبر فرصةً لنا جميعا، وطبعا للقائمين عليها، لتحقيق نجاحات مرجوّة

منصّة باز، كونها المنصّة العربية الوحيدة المتوفرة حاليا، تعتبر فرصةً لنا جميعا، وطبعا للقائمين عليها، لتحقيق النجاحات المرجوّة في النقاط أعلاه، وأجد أن من الواجب علينا، نحن العرب، خصوصا المطالبين بوجود مشاريع عربيةٍ تواكب المنتجات العالمية، أن نعطي هذه المنصّة الفرصة لتحقيق ما نصبو إليه. هذا الأمر يضع مسؤولية كبيرة على القائمين على المنصّة بأن يواكبوا الحدث والمطالب. ويقنعونا، مستخدمين وداعمين جادّين، بأن قيم المنصّة تنصبّ في صالح قضايانا العربية، وتطوير مجتمعاتنا ورقيها، وهو ما لمسناه منهم في هذه الأيام، ونتمنّى أن يستمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *