الرئيسية » المدونة » بعد مرور 20 سنة على الغزو.. لماذا العراق؟

بعد مرور 20 سنة على الغزو.. لماذا العراق؟

6/4/2023

يقول الروائي الأميركي الراحل مارك توين في تبرير نزعتنا للحروب والتدمير “يبتدع رجال الدولة أكاذيب رخيصة عند شنهم الحروب، واضعين اللوم على الشعوب التي هوجمت، ويكون كل رجل مرتاحا إلى أضاليله التي يصدقها لإراحة ضميره، ويقوم بتعليلها، رافضا دحضها، وشيئا فشيئا يقنع نفسه بأن الحرب كانت مشروعة ومحقة”.

بعد مرور 20 سنة على الغزو الأميركي المشؤوم للعراق، فإن وصف مارك توين ينسجم تماما مع المبررات التي ساقتها أميركا لتبرير هذا الغزو، الذي راح ضحيته أكثر من مليون عراقي. والآن ورغم معارضة كل العالم تقريبا له -بما فيهم أقرب حلفاء الولايات المتحدة، حيث تظاهر مئات الآلاف في مختلف العواصم الأوروبية- فما يزال السؤال الأكثر إلحاحا هو: لماذا غزت أميركا العراق؟

هذا السؤال ليس مطروحا في العراق ولا في العالم العربي فحسب، بل في الولايات المتحدة نفسها. والسبب أن كل المبررات التي ساقتها إدارة جورج بوش لشن الحرب على العراق بدت متهافتة قبل الغزو، وخاطئة بعده، رغم أن أميركا حينها ساقت كل سبب ممكن حتى تتمكن من غزو العراق.

قالوا إن صدام ربما يعطي هذه الأسلحة ليهاجم بها الأمريكان كما حدث فيه سبتمبر/أيلول 2001، ثم انتقلوا إلى أسباب أخرى لم تكن مطروحة، وهي أن صدام حسين زعيم باطش ودكتاتور يقمع شعبه؛ وعليه يجب أن نساعد العراقيين على أن يتمتعوا بالحرية والديمقراطية

الذعر الأخلاقي

في بداية الأمر، كان الحديث عن علاقة صدام حسين بالضالعين في هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، ثم انتقلوا إلى امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، ومنها أسلحة كيميائية وبيولوجية، ثم ضخموا هذا السيناريو بالشكل المخيف للأميركيين.

يقول سكوت بون الأكاديمي والكاتب الأميركي الشهير إن إدارة بوش حينها نشرت ما يسمى “الذعر الأخلاقي” الذي بلغ أوجه عندما قالت مستشارة الأمن القومي الأميركي كوندوليزا رايس في مقابلة تلفزيونية “إذا لم ندخل العراق ونطيح بنظام صدام حسين فقد نرى سحابة انفجار نووي في إحدى المدن الأميركية”.

وقالوا إن صدام ربما يعطي هذه الأسلحة ليهاجم بها الأمريكان كما حدث فيه سبتمبر/أيلول 2001، ثم انتقلوا إلى أسباب أخرى لم تكن مطروحة، وهي أن صدام حسين زعيم باطش ودكتاتور يقمع شعبه، وعليه يجب أن نساعد العراقيين على أن يتمتعوا بالحرية والديمقراطية، وتحدثوا لاحقا عن طموح أكبر آملين أن هذه الديمقراطية وتلك الحرية ستنتقل من العراق إلى منطقة الشرق الأوسط بأسرها؛ وبالتالي تنتهي كل مشاكل الولايات المتحدة في هذه المنطقة المضطربة من العالم.

الآن، وبعد 20 سنة، من الواضح جدا أن الإدارة الأميركية اتخذت قرارها بغزو العراق ثم بدأت تبحث عن ذرائع.

كلينتون لم يكن مقتنعا، لكنه أقر هذا القانون تحت ضغط جماعات شديدة الحماس لإسقاط صدام، فهو ومن سبقه من رؤساء أميركا كانوا حريصين على عدم انهيار العراق تماما، ليس حبا في العراق ولكن كنوع من التوازن الإقليمي حتى لا تصعد قوة إيران في المنطقة

كبش الفداء المثالي

لكن يبقى السؤال: لماذا اختلقت إدارة بوش كل هذه الذرائع لغزو العراق؟ لماذا كل هذا الحماس الجنوني للإطاحة بصدام حسين وتدمير العراق؟

وهو ما يأخذنا إلى مجموعة من التفسيرات، وأولها أن الولايات المتحدة كانت تبحث عن أي كبش فداء؛ فقد كانت هناك رغبة عارمة لدى الرأي العام الأميركي والإدارة الأميركية في معاقبة دولة ما أو طرف ما. وهذا ما نقله مسؤول مكافحة الإرهاب في المجلس القومي الأميركي ريتشارد كلارك، حيث قال إن بوش قال بالحرف وهو يدخل مركز عمليات الطوارئ في ليلة 11 سبتمبر/أيلول 2001 (we are going to kick some ass). وهو ما معناها “يجب أن نبحث عن شخص أو دولة أو طرف نشبعه ضربا”.

ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية وأحد المسؤولين في إدارة بوش الابن لما سئل عام 2004: لماذا ذهب الأمريكان إلى العراق؟ قال كلمته المشهورة “سأذهب إلى قبري دون أن أعرف، لكن حسب ما توفر لدي من معلومات فإن كان هناك سبب واحد خفي للهجوم الأميركي على العراق فهو الرغبة الموجودة لدى أميركا في استعادة هيبتها”.

كما أنه وفقا للقانون الأميركي فإن هناك التزاما بتغيير النظام في العراق أقره بيل كلينتون في أكتوبر/تشرين الأول 1998.

لكن هذا القانون لم يُفعَّل، وخصصت له ميزانية قيمتها 97 مليون دولار، تصرف لجماعات معارضة لإسقاط النظام، ولم يصرف منها سنت واحد.

فكلينتون لم يكن مقتنعا، لكنه أقر هذا القانون تحت ضغط جماعات شديدة الحماس لإسقاط صدام، فهو ومن سبقه من رؤساء أميركا كانوا حريصين على عدم انهيار العراق تماما، ليس حبا في العراق ولكن كنوع من التوازن الإقليمي حتى لا تصعد قوة إيران في المنطقة.

وهذا يثبت أن العراق كان موجودا بالفعل على القوائم الأميركية كنظام يجب تغييره، ولكنه لا يفسر أبدا الحماس الشديد جدا ليس لضرب العراق فقط بل لاحتلاله. والاحتلال يعني قوات كبيرة على الأرض وتكلفة كبيرة جدا، وهناك احتمال لخسائر ضخمة في صفوف الأمريكان.

المحافظون الجدد

وهذا ما يحيلنا إلى طبيعة إدارة الرئيس بوش سنة 2001 التي كان يسيطر عليها المحافظون الجدد، وهم جماعة تشكلت بعد الحرب الباردة، وكان لديهم تصور متشدد جدا في ما يتعلق بالسياسة الخارجية الأميركية، حيث يرون ضرورة اتباع سياسة خارجية شرسة للسيطرة على كل دول العالم، وفي قناعتهم أن هذه السيطرة الأميركية ستكون “هيمنة خيرة” لأن الولايات المتحدة “قوة استثنائية في قوتها وفي نبلها”، حسب قول إليث برامز؛ وهو أحد صقور الجماعة.

عموما مجموعة المحافظين كانت هامشية في الحزب الجمهوري، لكن مع مطلع التسعينيات قام رئيس مجلس النواب حينها نيوت غيغريتش بالدفع بهم للصدارة في الفترة نفسها التي بدأ يصعد فيها جورج بوش، الذي كان أغلب إدارته منهم؛ ليشكلوا ما عرف بعقيدة بوش التي حكمت سياسته الخارجية والتي تتلخص في ضرورة القيام بعمليات عسكرية استباقية للحفاظ على الهيمنة الأميركية، ومحاولة تصفية كل الجيوب المارقة والرافضة لأميركا، وعلى رأسها العراق.

وول ستريت جورنال: بينما يرسل بوش قواته ومقاتلاته إلى العراق فإنه لا يفكر فقط في تغيير نظام بلد، ولكن في تغيير الشرق الأوسط بأكمله ليجعل منه مكانا مختلفا

تصفية القضية الفلسطينية

لكن المسألة كانت أكبر من مجرد بسط النفوذ الأميركي على العالم، ومحاولة التخلص من نظام مارق على الأمريكان؛ فالمسألة كانت أعمق بالنسبة للمحافظين الجدد، فقد كانت مرتبطة بمخطط كبير أحيته أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 ولم تخلقه.

فالمخطط كان موجودا وبشكل علني، ويتمثل في دخول العراق والإطاحة بنظام صدام حسين وتعيين حكومة موالية للأمريكان، وبطبيعة الحال موالية لحلفائها وعلى رأسهم إسرائيل، وهذه الحكومة ستتبنى الديمقراطية والحرية والقيم الأميركية، ومنها تنتشر “العدوى الحميدة والطيبة” للديمقراطية في كل دول منطقة الشرق الأوسط؛ وبالتالي تتغير كل المنطقة.

قد يبدو هذا المخطط الآن في منتهى السذاجة والتفاؤل، لكنه كان موجودا بالفعل، وصرح به كل من الرئيس جورج بوش ودونالد رامسفيلد وديك تشيني عشرات المرات.

على سبيل المثال، في 26 أغسطس/آب 2002 قال ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي حينها “عندما تنتهي الأخطار الكبرى (يقصد إزالة نظام صدام حسين)، فإن الشعوب المحبة للحرية في المنطقة ستكون لديها الفرصة لنشر وتبني القيم التي تحقق السلام الدائم، سوف يعيد المتطرفون التفكير في إستراتيجيتهم القائمة على الجهاد، وسيتشجع المعتدلون ويتولون الصدارة، وستتعزز فرص السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين”.

نشرت صحيفة وول ستريت جورنال المخطط الذي أعده المحافظون الجدد بدعم إسرائيلي كامل في وقت مبكر جدا في 21 سبتمبر/أيلول 2003 (بعد اندلاع الحرب بيوم واحد)، والذي يكشف عن أن بوش لا يحلم بتغيير نظام ولكن بتغيير منطقة بأكملها، وجاء في بداية التحقيق “بينما يرسل بوش قواته ومقاتلاته إلى العراق فإنه لا يفكر فقط في تغيير نظام بلد ولكن في تغيير الشرق الأوسط بأكمله ليجعل منه مكانا مختلفا”، وكان الهدف الأكبر أن الإدارة الأميركية تعتقد أن مهاجمة بعض الدول ستجعل أميركا تبدو قوية.

هذه الفكرة لم تولد مع مجيء جورج بوش، بل طرحها المحافظون الجدد في دراسة شهيرة اسمها “كلين بريك” أعدت لصالح السياسي الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الصاعد نجمه في ذلك الوقت، والذي كان يعيش في الولايات المتحدة لفترات طويلة، وترى الدراسة أنه على الإسرائيليين استخدام القوة للقضاء على الأنظمة المتطرفة الرافضة لإسرائيل، وزوال هذه الأنظمة بالقوة سوف يجبر الفلسطينيين على قبول التصورات الإسرائيلية للحل النهائي بتصفية طموحهم بوجود دولة فلسطينية.

الجنرال الأميركي المعروف كلارك ويسلي قال نصا إنه ذهب ليقابل وزير الدفاع دونالد رامسفيلد بعد 10 أيام من هجمات 11 سبتمبر/أيلول، وبعدها ذهب للقاء أحد أصدقائه من كبار ضباط الجيش الأميركي الذي قال له “لدينا أوامر بمهاجمة العراق بعد 10 أيام من حدوث هجمات 11 سبتمبر/أيلول، ويضيف “دون أن نعلم السبب ليست هناك علاقة مباشرة حتى الآن بين العراق وأحداث 11 سبتمبر/أيلول، لكن الإدارة الأميركية تعتقد أن مهاجمة بعض الدول ستجعل أميركا تبدو قوية، وستثير الخوف والذعر في قلوب أي دولة أخرى ربما تفكر في تكرار الهجوم على أميركا”.

لكنهم لم يكونوا ينجحون لولا حماس إسرائيل التي ألقت بثقلها لدفع جورج بوش إلى الذهاب للعراق؛ فكبار القادة الإسرائيليين جاؤوا إلى الولايات المتحدة فرادى وجماعات ليدفعوا إدارة بوش باتجاه ضرب العراق

دور إسرائيل في الغزو

يقول البروفيسور جون مرشايمر وزميله ستيفن إم وولت في كتابهما “اللوبي الإسرائيلي” “ليس من المبالغة أن أقول إن تصميم المحافظين الجدد على ضرب العراق والإطاحة بصدام تحول إلى هوس، وأن أحد المسؤولين الأمريكان قال في يناير/كانون الثاني 2003 أعتقد أن بعض هؤلاء (اللوبي الإسرائيلي) قد أصبح لديهم هوس ديني وليس مجرد حماس سياسي، ويبدو أن التخلص من صدام وغزو العراق أصبح كأنه دين لهم، ويعتقدون أن أميركا ستنتهي إذا لم نهاجم العراق”.

وزير الخارجية وقتها كولن باول قال لأحد مراسلي واشنطن بوست بعد أحد الاجتماعات وهو مندهش جدا من الاهتمام المبالغ فيه بالعراق “يا إلهي ما كل هذا الهوس والتركيز على العراق”.

كولن باول وافق على ضرب العراق، لكنه لم يكن موافقا في البداية، ولم يكن متحمسا في النهاية، حيث قال في ما بعد إن خطابه التحريضي ضد العراق في الجمعية العامة للأمم المتحدة هو عار سيلاحقه طوال حياته”. وكذلك “سي آي إيه” لم تكن متحمسة ولا البنتاغون أو الجيش، لكن هذه المجموعة النافذة هي التي كانت متحمسة ومصممة وقدمت تصورا متكاملا لرئيس مرتبك بعد حادثة كبيرة، وكان لهم ما أرادوا.

لكنهم لم يكونوا ينجحون لولا حماس إسرائيل التي ألقت بثقلها لدفع جورج بوش إلى الذهاب للعراق؛ فكبار القادة الإسرائيليين جاؤوا إلى الولايات المتحدة فرادى وجماعات ليدفعوا إدارة بوش باتجاه ضرب العراق؛ فبنيامين نتنياهو مثلا زار الولايات المتحدة في 2002، وزار مجلس الشيوخ ومختلف مراكز صنع القرار، وقال بالنص “إن الحاجة الملحة لإسقاط صدام لها أهمية قصوى، وإن الحملة على العراق تستحق الدعم غير المشروط من جميع الحكومات العاقلة”.

وفي مايو/أيار 2002، قال شمعون بيريز في مقابلة مع سي إن إن “صدام حسين خطير مثل بن لادن ويجب أن تتخلصوا منه”.

إيهود باراك في مقال كبير في صحيفة واشنطن بوست قال “يجب على بوش التركيز على العراق وإزاحة صدام حسين أولا وقبل كل شيء، فبمجرد رحيله سيكون هناك عالم عربي مختلف”.

وكذلك أرييل شارون الذي قال في مجلس الشيوخ في جلسة مغلقة “إذا نجحتم في التخلص من صدام فستكونون أنهيتم الكثير من مشكلات إسرائيل الأمنية”.

الآن، وبعد 20 عاما من الغزو، الذي تعددت أسبابه واختلفت، تبقى النتيجة واحدة وكارثية، وهي تدمير البنية التحتية العراقية ونهب النفط العراقي وإغراق البلد في الفوضى والصراع الطائفي والفساد السياسي، وجعله مرتعا لتصفية الحسابات بين اللاعبين الدوليين، وذلك بسبب ادعاءات أثبتت الأيام والأدلة أنها لم تكن سوى أكاذيب محضة.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *