الرئيسية » المدونة » بعد نهاية ترامب .. هل ينتهي الترامبيون العرب؟

بعد نهاية ترامب .. هل ينتهي الترامبيون العرب؟

لا توجد حقبة أسوأ على أمتنا من حقبة ترامب. ضرر الترامبية بالدرجة الأولى على الإنسان العربي، وليس على الإنسان الأميركي المحصَّن، عبر السنين، بقوانين تكفل له كرامته وحريته،  وتؤمن له رفاهه واحتياجاته. في العالم العربي استغل المحتلون الصهاينة والطغاة العرب دعم ترامب لهم في ارتكاب فظاعاتٍ غير مسبوقة، ولم يتلقوا مقابل ذلك عبارة لوم، على العكس تمّ تأمين الدعم والحماية والرعاية لهم.

لم ينتظر الترامبيون الذين رعاهم وصنعهم انتهاء رقصة المذبوح، تردّدوا قليلاً وتأخروا في تهنئة بايدن، لكنهم أذعنوا. الأقرب إليه كان الأسرع في الإذعان. سارع محمد دحلان، أقرب مستشاري محمد بن زايد، الذي كان له دور محوري في ترتيب إعلان التحالف الاستراتيجي بين الإمارات وإسرائيل إلى الانقلاب على صفقة العصر التي كان أحد عرّابيها، ومنّى نفسه بوراثة محمود عباس حيّاً، وأعاد إحياء الخطاب التقليدي لعملية السلام وحلّ الدولتين. واستنفرت جيوش الذباب الإلكتروني في نشر صور محمد بن زايد مع بايدن. 

تتجلّى الترامبية في الإمارات التي دعمت وصول ترامب من خلال لقاء سيشل مع الروس الذي نظمه جورج نادر، مستشار محمد بن زايد الذي اعتُقل بتهم اغتصاب أطفال، وتمكّنت الترامبية من إيصال محمد بن سلمان إلى الحكم، وأعادت تأهيل بشار الأسد، ووصل الأمر إلى ترتيب اتصال بين ترامب ومجرم الحرب في ليبيا خليفة حفتر، ودعم الإرهابيين التكفيريين في اليمن مثل هاني بن بريك وأبو العباس. صحيح أن الثورة المضادّة بدأت قبل وصول ترامب إلى السلطة، لكنها لم تأخذ دعماً وشرعية إلا برعايته ودعمه. 

في مصر، بادر “الدكتاتور المفضل”، عبد الفتاح السيسي، إلى إطلاق نحو 400 معتقل، منهم أقارب محمد سلطان، أبرز الناشطين المصريين الأميركيين، مع أنه سبق أن تبرّع لحملة ترامب الأولى بعشرة ملايين دولار، وكان جزءاً من صفقة القرن، وبارك التحالف الاستراتيجي الإماراتي الإسرائيلي. وتمكّن الترامبي السيسي من مواصلة مساره الدموي بدعم ترامب، إلى درجة اغتيال الرئيس المنتخب محمد مرسي بالإهمال الطبي، كما مئات المعتقلين، ولم يترك صحافياً ناقداً ولا معارضاً إلا اعتقله. 

في السعودية، الوضع أصعب، فترامب هو من أوصل، مخالفا المؤسسة الأميركية، محمد بن سلمان، إلى السلطة، وحافظ على بقائه في ظل كل الحماقات التي ارتكبها الأخير، ولم يتردّد في القول إنه حمى “مؤخرته”، ووضعه هو الأصعب في ظل تورّطه في حرب اليمن والمحاكم التي تنتظره بسبب محاولة اغتيال الجبري واختراق التويتر واغتيال جمال خاشقجي. 

الترامبية مثل النازية ظاهرة عابرة للحدود، وهي شعبوية لها جمهور عريض من العنصريين والجشعين والانتهازيين والجهلة. صحيح أن بايدن حصل على أعلى الأصوات في تاريخ أميركا، لكنه واجه عدواً شرساً لا يزال يصارع على الرغم من خسارته، لم تكن معركة سهلة، لقد حصل على سبعين مليون صوت. أغلب من صوّتوا له لا يعون خطورة الترامبية، ولا يدرون ما فعلته بنا. صوّتوا لمن يخفّف الضرائب عنهم ويشجع الشركات، لمن يوفر فرص العمل من خلال المواجهة مع الصين وشركاتها. متدينون إنجيليون يعلمون سفالته وبعده عن الدين، لكنه يتبنّى أجندتهم ومصالحهم. محافظون يستفزهم يسار الحزب الديموقراطي. صحيح أن أكثرية المسلمين صوتوا ضده، لكن ثمة نحو 30% صوّتوا معه، منهم سوريون وعراقيون يعتقدون أنه سيحارب إيران، منهم محافظون يعتقدون أنه سيحارب المثلية والإجهاض، منهم رجال أعمال ضاقوا بالأجندة الاجتماعية للحزب الديموقراطي التي تقربه من اليسار. بالمجمل، بحسن نية أو بسوئها، تظل هذه روافد للظاهرة الخطيرة. 

الترامبية، هي الظاهرة “الأسوأ، وغيرها أقل سوءاً منها”، تماماً كما أن “الديموقراطية سيئة، لكن غيرها أسوأ منها”، على قول تشرشل. .. وبالنتيجة، خسر ترامب في معركة ملحمية خاضها أميركيون يدافعون عن القيم التي جعلت من أميركا بلداً عظيماً، خاضوها من أجل أنفسهم وأولادهم، ومن المطمئن أن أكثرية النساء والشباب وصغار السن صوّتوا ضده. فالمستقبل ليس له، لكن المعركة لم تنتهِ تماماً، وهي لا تنحصر في حدود أميركا. صحيحٌ أنهم خسروا كثيراً بمغادرته البيت الأبيض، لكنهم يعلّلون النفس بـ”ضربة مقفي”، لعله يفعل لهم شيئاً في لحظة الوداع. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *