الرئيسية » المدونة » “بل أحياء عند ربهم”.. ثقافة الحياة

“بل أحياء عند ربهم”.. ثقافة الحياة

حاولوا تسويق مفهوم “ثقافة الحياة” (أو “سقافة” بالدارجة لدى البعض) بمعنى الحياة الاستهلاكية الخالية من الإنسانية والمعنى والكرامة. يريدون من الشباب العربي أن يكون أجوفَ مسطحا لاهثا شَرِهاًَ وراء الكسب السريع والمتعة، منقطعا عن محيطه وتاريخه، متقوقعا على ذاته وملذاته. لم تكن الحرية، بنظرهم، قيمة عليا تسطع على كل مناحي الحياة بنظرهم.

كان مرعبا أن يُستدرج الجيل العربي الجديد وراء تلك الشعارات، فهي لا تتعارض مع الدين والإرث الثقافي، بل هي مقطوعة عما تعارف عليه البشر من قيم إنسانية عليا. فالتضحية بالنفس والمال والوقت هي التي تقدمت بالبشر، وما أعاق التقدمَ مثلُ الجبن والبخل والعجز والكسل. كل الشعوب التي تقدمت ثارت وحاربت من إنجليز وفرنسيين وأميركيين وروس.

ليس مستغربا أن يأتي الرد من تونس، هل نسينا أن تونسيا من نفذ عملية الطائرة الشراعية التي كانت شرارة انتفاضة 1987؟ ذلك الشاب كانت لديه خيارات الحياة الرديئة في ظل ديكتاتور، لم يكن يجد فرقا بين أسرته التي لا تجد قوت يومها وبين أسرة فلسطينية شردت من أرضها. إنها الإنسانية بأبهى صورها، حلق بطائرته الشراعية في مشهد سينمائي يفوق الخيال. إنها ذات الروح الغاضبة التي تحلى بها فتية تونس وهم يدقون باب الحرية بقبضاتهم المضرجة.

لا يستحق الديكتاتور قطرة دم يفدى بها، لكن الأهل، والأحبة، والأطفال الذين لم يولدوا بعد، يستحقون. ولولا عزيز النفوس التي بذلها شباب تونس من البوعزيزي ومن لحق به لما تزحزح الديكتاتور. لقد رتلوا آيات الله وكأنها تنزلت بهم “بل أحياء عند ربهم يرزقون”، “ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون”.

وكأن الزبيري أبو الثورة اليمنية تحدث بلسانهم “ستعلم أمتنا أننا.. ركبنا الخطوب حنانا بها.. نمر على شفرات السيوف ونغشى المنية من بابها”. وليت أمل دنقل حياً ليراهم يزينون صفحاتهم بقصائده على “الفيس بوك”: “أيها الواقفون على حافة المذبحة.. أشهروُا الأسلحة..”، أم مظفر النواب في “يا أجمل من أمة غاضبة.. أركليهم فأقدارهم يركلون وأقدارنا القوة الضاربة”. وكأن سيد قطب في “المعالم” كان يصفهم وهم يقبلون على الموت لتوهب لهم الحياة “لقد كان في استطاعة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم، ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم، وكم كانت البشرية كلها تخسر؟ كم كانوا يخسرون وهم يقتلون هذا المعنى الكبير؟ معنى زهادة الحياة بلا عقيدة، وبشاعتها بلا حرية، وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد”.

لقد تحررت الأجساد والأرواح؛ هذه هي الحياة. ولا شك أن الأدب الثوري الإنساني فكرا ورواية وشعرا ورسما وسينما، هو الزاد للجيل العربي الجديد. فلوحة جارنيكا لبيكاسو لا تقل جمالا عن مقولة ماركس “الثورة الآن، ليست بالأمس ولا غدا”. الحياة جميلة وادعة كما نسمات الربيع، وجميلة عاصفة، فاستبشروا بالعاصفة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *