الرئيسية » المدونة » بورقيبة وأتاتورك والغنوشي وأردوغان

بورقيبة وأتاتورك والغنوشي وأردوغان

احتج السفير التونسي في تركيا، أيام بن علي، على زيارة الشيخ راشد الغنوشي إلى تركيا. وطلب لقاء وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو لتوضيح السجل الإرهابي للغنوشي الذي كان مهاجرا في لندن. خلاصة اللقاء رد أوغلو أن الغنوشي ليس إرهابيا بل هو بنظر الحزب الحاكم في تركيا مفكر وأستاذ لهم. لم يقتنع السفير وخرج غاضبا، لم تنته هنا الحكاية التي سمعتها من أوغلو، فبعد الربيع العربي زار تونس فوجد السفير الذي هدأ غضبه في استقباله بصفته مدير مكتب وزير الخارجية عن حزب النهضة رفيق عبدالسلام!
لا تعكس القصة التشابه بين فكري حزبي النهضة في تونس والعدالة والتنمية في تركيا فحسب بل التشابه بين النظامين التركي والتونسي على ما بين البلدين من فروق كبيرة. فشخصية الحبيب بورقيبة تشبه شخصية مصطفى كمال أتاتورك، فكلاهما وضع أساسات بناء دولة حديثة، ونظر إلى الغرب ليس بوصفه استعمارا، وإنما قصة نجاح يجب التأسي بها، في الفكر والثقافة والمؤسسات والقوانين. وإن تبنيا العلمانية بصرامة تكاد تعادي الإسلام، إلا أنهما لم يكونا ديمقراطيين، بطشا بالخصوم وتمسكا بالموقع إلى الرمق الأخير.
بالنتيجة، نجح النظامان في بناء مؤسسات وتقاليد دولة، وفي خضم الصدام الثقافي في البلدين ولدت حركة إسلامية هاجسها الهوية بالدرجة الأولى. لم ينجح النظامان في القضاء على “الحركة” ولم تنجح الحركتان في القضاء على “النظام”. وهذه هي نقطة التوازن التاريخية. نجحت الصفقة التاريخية في تركيا أولا، وها هي تنجح في تونس بعد إقرار الدستور. ونجت تونس من الكارثة السيسية في مصر والسعيد من اتعظ بغيره.
الغنوشي من جيل أردوغان، وليس من جيل مؤسس الحركة الإسلامية في تركيا نجم الدين أربكان. ومن مهجره في لندن، شاهد كيف تفوق التلميذ الفتى على شيخه، وكيف تمكن من تحقيق المصالحة التاريخية مع الدولة التركية الحديثة وتسامح مع كل إرثها الاستبدادي. في الغرب وجد الغنوشي في الديمقراطية الحضن الدافئ الذي يضم أبناء الحركة الذين كان إخوانهم يسامون سوء العذاب في سجون بن علي، وتغلق في وجوههم أبواب البلدان العربية.
ليس مفاجئا إقرار الدستور التونسي، فرأي الغنوشي منشور في كتبه ومقابلاته، ولعل كتابه “الحريات العامة” من أهم المراجع التي توائم بين الإسلام والديمقراطية. عمليا ما تم من حوارات على الدستور التونسي هي تكرار للحوارات التي مهدت لوثائق 18 أكتوبر في 2005، ولعلها تشكل المرجعية الفكرية للدستور. لكن لا بد من الإقرار بأن الغنوشي قاتل على جبهتين، فالقوى العلمانية المتطرفة لا تراه غير “خلايا إرهابية نائمة” والقوى الإسلامية المتطرفة لا تراه غير مفرط بالمشروع الإسلامي.  ما حصل في تونس يعبر عن نضج جميع الأطراف، فقد انتقل الاتحاد التونسي للشغل في لحظة تاريخية من خصم للنهضة إلى وسيط. كما أن الجيش الصغير في حجمه بدا كبيرا في حرصه على مصلحة البلاد، خلافا للجيش المصري الذي صغر إلى حجم الدخول في معارك مع المدنيين العزل.
يؤمل أن تكرر تونس بعد الصفقة التاريخية النجاح الاقتصادي الذي حققته تركيا. ليكون هذا النجاح وجه الشبه الأبرز بينهما. فالديمقراطية ترتبط عالميا بالازدهار الاقتصادي، وحكم العسكر يرتبط بالتخلف والفقر.

abuhilalah@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *