مقالات

بين الجولاني وقاسم سليماني

كأن المجتمع الدولي كان ينتظر مقابلة الفاتح أبو محمد الجولاني على قناة الجزيرة، ليقوم بدوره اﻷخلاقي في وقف المجزرة المفتوحة التي يتعرض لها الشعب السوري، قبل عسكرة الثورة وبعدها، بوجود القاعدة وأخواتها أم بغيابهم. كثير من أنصار الثورة السورية اعتبروا أنها خدمت رواية النظام بأنه يقاتل اﻹرهاب العالمي ووصل اﻷمر بموقع معارض بتشبيهها ببرميل متفجر ألقي من مروحية الجزيرة، ومنهم من شكك بالمقابلة ودوافعها وتوقيتها، في المقابل احتفل آخرون بظهور الجولاني ووعيده للنظام وللجوار اللبناني.
    لا تحمَّل المقابلة فوق طاقتها، فهي سبق إعلامي تسعى له كل القنوات،  وتيسير علوني أجرى قبلها 15 مقابلة مع قيادات المعارضة العسكرية والسياسية من ريم فليحان إلى ميشيل كيلو وصولا لزهران علوش وغيره من قادة الفصائل المسلحة، وأسهمت تلك المقابلات في تعريف الشعب السوري ومن يقف معه ومن يقف ضده بأولئك. كان مهما لكل متابع للشأن السوري أن يستمع للجولاني ﻷنه لاعب أساسي في المشهد السوري. وأي حريص على الثورة السورية معنيٌ بترشيد فصائلها والحوار معها بما فيها النصرة التابعة لتنظيم القاعدة.
   هل خدمت المقابلة النظام؟ ليس مهما، بقدر سؤال هل وجود القاعدة خدم النظام؟ لا شك أن النظام منذ اليوم اﻷول للثورة تبنى وجود القاعدة وهي غير موجودة، فهو يرفض رواية الشعب السوري بأنه انتفض عفويا وسلميا بوحي من أجواء الربيع العربي وبعد أربعة عقود من الحكم الشمولي اﻹرهابي الذي امتد إرهابه خارج سورية. بحسب المقابلة فإن الجولاني وسبعة من مقاتلي دولة العراق اﻹسلامية دخلوا سورية في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) أي بعد نحو نصف عام من الثورة، وبعد ان اضطرها النظام للعسكرة.
   حتى بعد دخول القاعدة وعسكرة الثورة لم تتصدر العمل العسكري إلا في مرحلة لاحقة وظلت الفصائل المحلية متقدمة في معظم المحافظات.  لكن السؤال هل كان أمام الشعب السوري والجولاني واحد منه فرصة للحفاظ على السلمية؟ السلاح كان اضطرارا لا خيارا.
الجولاني واحد من شباب سورية الذين أراد النظام التخلص منهم في محرقة العراق، ونجح وفق الرؤية اﻹيرانية في جعل سورية ممرا ومركز تجنيد لمقاتلي القاعدة وقياداتها وفيها كان الزرقاوي وأبو الغادية وأبو أنس الصحابة وشاكر العبسي ..وغيرهم، تمكنت إيران ونظام بشار من هزيمة أميركا في العراق من خلال حروب بالوكالة لم ترق فيها قطرة دم.
     الجولاني، ليس من نازحي الجولان المليون الذين تناسى نظام اﻷسرة اﻷسدية قضيتهم. لقب بذلك ﻷنه كان ممن قاتل اﻷميركيين في حي الجولان في الفلوجة، ويا لها من مفارقة يسمح له النظام بقتال اﻷميركيين في حي الجولان ويعتقل شاكر العبسي في الفترة ذاتها عامين في المخابرات ﻷنه حاول نصب صواريخ باتجاه الجولان، ثم يفرج عنه شريطة ان يغادر الى لبنان ليخوض معركة نهر البارد مع الجيش اللبناني.
بالنتيجة الشعب السوري هو الحلقة اﻷضعف في المعادلة اليوم، على اﻷرض تتصارع مشاريع  عابرة للحدود، مشروع قاسم سليماني ليس سوريا، وليس ديمقراطيا، وكذلك حزب الله. وقبل ذلك لم يكن مشروع أسرة اﻷسد ديمقراطيا. القاعدة تطرح نفسها باعتبارها نقيضا لهذه المشاريع، هي تريد حكما إسلاميا، لكن من خلال علماء الشام، وليس من خلال الولي الفقيه القابع في إيران.
دوليا قد يكون اﻷمر حسم باتفاق بوتين ونتنياهو على ضرورة بقاء نظام اﻷسد، لكن على اﻷرض المعركة ما تزال طويلة. هي لا تنحصر بين فريقي سليماني والجولاني، هي أوسع وأعقد، وبعد جنيف سيزيد أوارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *