الرئيسية » المدونة » جدران برلين التي لا تتهدم

جدران برلين التي لا تتهدم

   احتفلوا في العالم بهدم جدار برلين، ولا أستغرب أن سفراء الدول العربية شاركوا في احتفال هدم السور. وأتخيل سفيرا لدولة  إقطاع في القرن الحادي والعشرين ينتقد الفشل في إتمام المساواة بين الشطر الغربي والشرقي من العاصمة الألمانية. وفي الأحاديث الجانبية بين السفراء العرب سيناقشون آخر تصاميم شركة مارسيدس وبي. أم. في الوقت الذي يكون إلى جانبهم موظف في الخارجية الألمانية يحاول فهم سيناريوهات الانتخابات العراقية من سفير ثمل يحاول التماسك واقفا.

             تصلنا تصاميم السيارات قبل أن تنزل إلى السوق الألمانية، لكن بعد عشرين عاما من هدم السور لم تصلنا الفكرة. ولا يبدو أنها ستصل. في الشطر الشرقي من ألمانيا عاشوا أفضل من عالمنا العربي اليوم. لم تنحدر دول المنظومة الاشتراكية إلى القعر الذي استقرت فيه الدول العربية سياسيا واقتصاديا وتربويا و.. أي دراسة لنوعية الحياة في التعليم والصحة والخدمات العامة ستثبت أن وضع أي دولة من دول أوروبا الشرقية حين ذاك، أفضل من الدول العربية التي ينخر فيها الجهل والمرض.

          سياسيا، كان نظام الحزب الواحد. لكنه متطور بمئات السنين على نظام العشيرة الواحدة. والتي تتقلص اليوم إلى عائلة صغيرة من الأشقاء والأصهار يمتلكون الأرض وما عليها. ويتحول الساسة إلى أعضاء في مجلس إدارة يتقاسم الأرباح ويدرس الصفقات.

       على علات الأحزاب الشمولية إلا أنها تظل مفتوحة. يمكن لأي مواطن أن يصبح أمينا عاما للحزب ويتقدم في سلمه التنظيمي، لكن من يستطيع أن يكون ابنا للرئيس أو صهرا أو مولودا في قريته؟

      لست من المعجبين بالتجربة الاشتراكية، ولا أدافع عنها، في المحصلة انهارت ذاتيا وغير قابلة للاستمرار. لكن يظل خيار الدولة الاشتراكية  متقدما على خيار الدولة الشركة التي تنقسم فيها البلاد إلى مجلس إدراة وعمال.

         دفعت ألمانيا الرأس مالية مبالغ فلكية في سبيل تحقيق العدالة بين الشطرين وحتى العام 2005 بلغ إجمالي ما دفع نحو 1500 بليون يورو. وليس أدل على نجاح الوحدة من رئاسة أنجيلا ميركل وهي من ألمانيا الشرقية للدولة الاتحادية. لم تجد زعيما خرفا يقول لها لا متسع لأمثالك نحن صناع الوحدة ولن نغادر قصورنا إلا على نعوش.

          أطلق كلينتون دعابة في الأسبوع الماضي بأنه كان يفضل أن يغادر البيت الأبيض على نعش، بمعنى أن يظل في السلطة ما دام حيا، من دون أن يدري أنه يجرح مشاعرنا، لأن النعوش لا صناديق الاقتراع هي وسائل انتقال السلطة في عالم العرب.

          في ذكرى سقوط الجدار نتابع ما يجري في العالم العربي، الرئيس التونسي الذي وصل إلى السلطة حين سقط الجدار يحتفظ بموقعه في فوز مؤزر. وفي مصر حزب حاكم انهار جبل المقطم على رؤوس الناس وهو لا يزال يحكم ويعقد مؤتمرا يبشرنا بعده بحوار يستثني الإخوان المسلمين. ويحدثونك عن انهيار جدار برلين!

          ليحتفلوا بسقوط الجدار، كما يحتفلون بصعودهم إلى سطح القمر، إنه “عالم ليس لنا”. ومن المفارقات أن الجدار الوحيد الذي هدم  جدار رفح، ولكنه أقيم مرة أخرى. فهل ثمة كنز تحت الجدار؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *