الرئيسية » المدونة » حزب الله: عام في الوحل السوري

حزب الله: عام في الوحل السوري

كتب الصديق علي هاشم في “السفير” بمناسبة مرور عام على تدخل حزب الله في سورية، وخلص إلى أن دخوله في سورية كان اضطرارا لحماية النظام الذي أوشك على السقوط، وهو الرئة التي تتنفس منها المقاومة، وعَدَّ حماية النظام إنجازا للحزب الذي جعل الثوار في موقف دفاعي بعد أن كانوا على أبواب دمشق، ولم ير في التدخل تخليا عن خيار المقاومة ولا إضعافا لها، ويستشهد بدراسات إسرائيلية تشير إلى الخبرات القتالية التي اكتسبها مقاتلو الحزب، مقابل عدم تضرر ترسانتهم الصاروخية ولا قدراتهم العسكرية. 

تلك المقاربة التي سبق أن تكررت في وسائل إعلام عالمية أغضبت بثينة شعبان مستشارة بشار الأسد التي رفضت نسبة “الصمود” إلى حزب الله وإنما إلى “الشعب الذي قدم ربع مليون شهيد”!، والواقع أن حزب الله وإيران هما من أعادا النظام إلى الحياة. ليس بالمجهود العسكري الاستثنائي فقط وإنما بالدعم الاقتصادي  المباشر، والدعمان يكلفان الخزانة الإيرانية ما يقدر بمليار دولار شهريا.

كسب بشار الأسد عمرا إضافيا، وبشرنا نائب الأمين العام لحزب الله أنه سيترشح وسيفوز. لكن الحزب، مهما كانت مكاسبه فإنها تضيع أمام خسائر كبرى، وخسرت إيران التي استدرجت كالحزب أكثر في استنزاف عسكري واقتصادي سيجعلها ثمرة ناضجة بيد أوباما مع نهاية ولايته. 

 لم يكن حزب الله مضطرا للدخول في سورية. وهو وإيران من اليوم الأول ارتكبا خطأ استراتيجيا في تعاملهما مع الربيع العربي.

 إذا اعتبر المرشد، والحزب بموجب عقيدته يعتبر ما يصدر عنه تكليفا شرعيا لا مجرد رأي يستأنس به، أن ما جرى “صحوة إسلامية” وامتداد لثورة الخميني، ولأنه كذلك فإنه يتوقف عند تخوم النفوذ الإيراني، ولا يحق للشعوب في لبنان والعراق وسورية الثورة، بل الصبر على الأمر الواقع ولو كان نظام الحكم في سورية بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي، وهو في أدبيات الخميني حزب “كافر”. 

أنكر الحزب ابتداء حق الشعب السوري في الثورة، ولو في صيغتها الإصلاحية في الأيام الأولى عندما طالبت بإسقاط محافظ درعا.

 واكتفى وقتها هو وحماس بإسداء النصائح السرية لبشار والدائرة المحيطة به، وكان الغريب أن علي مملوك وبثينة شعبان وفاروق الشرع وآصف شوكت وغيرهم تلقوا النصائح بإيجابية. وكانت المحاولات تصطدم بعناد بشار نفسه وقلة من المتصلبين العصابيين مثل جميل الحسن مدير المخابرات الجوية.

وفي نصف العام الأول النقي من الثورة، الذي لم تشبه شائبة عسكرة أو طائفية أو تكفير ولا صهينة ولا أمركة، لم يتعامل الحزب مع السوريين باعتبارهم شعبا له تاريخ وحضارة تسبق حزب البعث والأسرة الأسدية، ولا جيلا له أشواق في الحرية والعدالة، وإنما بوصفهم تحصيل حاصل من مشروعه  و”ساحة من ساحات الصراع مع العدو الصهيوني”. وكأن السوريين إذا نالوا حريتهم سيتحولون إلى عملاء وسيطعنون المقاومة في الظهر. وكان باديا وقتها الهلع الإسرائيلي من الربيع العربي الذي جاء بالإسلاميين. 

من اليوم الأول اختار الحزب وإيران النظام بكل خطاياه قبل الثورة وبعدها على الشعب. صحيح أنه حاول عمل اختراقات من خلال اتصالات مع الإخوان السوريين، لكنها كانت تصلح لمرحلة ما قبل الثورة، أو في أيامها الأولى، وهي لا ترقى إلى المحاولات القطرية والتركية والتي كانت نتيجتها كلها الفشل الذريع بسبب تعنت بشار. 

كلمة “تدخل” ليست دقيقة؛ ما حصل هو احتلال وفق القانون الدولي، من مليشيات إيرانية وعراقية ويمنية ولبنانية. حزب الله تحول في سورية من حركة مقاومة إلى ميلشيا تنفذ أجندة طائفية. حتى وجود داعش وغيرها لا يعطيه الحق في محاربة السوريين ومحاصرة مدنهم واحتلالها. هذه مسؤولية السوريين، ومن يحارب اليوم هي الفصائل الإسلامية ومنها النصرة، في المقابل يتواطأ النظام مع داعش ويتركها تقيم حدودها في الرقة وغيرها. 

كان بإمكان حزب الله وإيران أن يخسرا بشار الأسد، كما خسرته حماس، ويكسبا الأمة كلها، لكنهما راهنا على طاغية دموي لا يمكن أن يبقى إلا بمجهود عسكري هائل ومليار دولار شهريا، وهذا ما لا تستطيع إيران دفعه إلى ما لانهاية. بدلا من الحديث عن إعادة انتخاب بشار، يحسن بالحزب وإيران أن يسهما في حل سياسي بدونه، ليتوقف نزفهما العسكري والمالي، وليتوقف نزف الشعب السوري. وإن بقيا في الوحل السوري فإن إيران نفسها ستسقط وليس بشار وحده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *