الرئيسية » المدونة » حكومات سياسية لقيادة الإصلاح

حكومات سياسية لقيادة الإصلاح

شاع مصطلح “حكومات التكنوقراط” في العالم العربي لاعتبارات لا علاقة لها بأبسط مفاهيم الديمقراطية؛ فالحكومات في العالم الديمقراطي هي حكومات سياسية، أما التكنوقراط (أو الخبراء) فهم جزء من هيكل الدولة الذي لا تقوم إلا به، وهم يشكلون الاستقرار والديمومة في ظل التغير المستمر الذي تقتضيه آليات الديمقراطية.

ففي أميركا مثلا، يتغير وزير الخارجية مع تغير الحزب الحاكم، لكن طبقة الخبراء والبيروقراطية في وزارة الخارجية تظل مستقرة وثابتة، وتنمو وتتطور من داخل الوزارة لا من خارجها، دون أن يلغي ذلك حق الحزب الحاكم في إجراء تعيينات سياسية في المواقع القيادية.

في العالم العربي جاء مفهوم حكومات التكنوقراط ليجرد الحكومة من وظيفتها السياسية، ويقصر دورها على تصريف متطلبات الحياة الضرورية؛ كما تغيب عنها القوى السياسية الحقيقية التي تمثل أكثرية الشارع.

وفي الأردن، حاولت بعض النخب “تهريب” مفهوم “حكومات التكنوقراط” هربا من الاستحقاق الديمقراطي، بحيث تكون الحكومة حكومة موظفين منفذين، لا حكومة قادة سياسيين أصحاب رؤية وبرنامج. وبتسلل هذا المفهوم، غدا مألوفا وجود وزراء لا علاقة لهم بالسياسة، لا من حيث السيرة والخبرة ولا حتى من حيث المتابعة والاطلاع.

وإذا كنا في الأردن “نجيد الحديث عن الإصلاح”، فقد آن الأوان لأن نجيد الإصلاح ذاته، من خلال حكومات إصلاحية. وأي حكومة إصلاحية لابد وأن تكون سياسية، إذ لا يمكن للموظفين أن يقودوا إصلاحا. ومن حق الناس أن تتساءل، بمعزل عن مدى اتفاقها أو اعتراضها على الأجندة الوطنية: هل بإمكان الحكومة الحالية حمل الأجندة وتحويلها إلى قوانين وتشريعات وبرامج عمل؟

منذ تشكلت الحكومة كان واضحا أنها تحمل شعارات إصلاح وتفتقر إلى إصلاحيين. وفي ظل تأجيل الإعلان عن الأجندة إلى ما بعد العيد، ازدادت وتيرة إشاعات التغيير والتعديل، خصوصا أن مبررات التأجيل (الطباعة!) لم تكن مقنعة، الأمر الذي يعزز الشائعات.

وإذا كنا في الأردن اعتدنا على نمط الحكومات الرخوة التي لا تستقر معالمها، وتظل نهبا للتعديل وإعادة التشكيل والتغيير غير المبرر، فإن الأجدى إبقاء الأوضاع على ما هي، ولا داعي إلى مزيد من “مناقلات الموظفين”. لكن في حال وجود إرادة سياسية بالتغيير، فلابد من وجود حكومة سياسية إصلاحية.

ليس سرا أن ثمة انقساما حادا في الموقف من الأجندة؛ فثمة من يقف ضدها بوضوح، ويسعى حثيثا إلى إفراغها من مضمونها، ويراهن على اعتبارها نزوة لا تدوم طويلا. لكن ما يجهله هؤلاء أو يتجاهلونه أن الإصلاح لم يعد صوتا في البرية، وإنما سياق عالمي لا تستطيع دولة أن تغرد خارج سربه. وإذا كانت الدول العربية الغنية تبادر إلى الإصلاح، فما بالك بدولة مثل الأردن بحاجة ماسة إلى مساعدات غربية غدت مشروطة بالإصلاحات السياسية؟!

لا توجد دولة عربية تقدم مساعدات للأردن، من يساعدون هم أميركا والاتحاد الأوروبي؛ وبالنسبة للأميركيين ثمة ستة عشر شرطا للتأهل قبل التقدم بطلب للمساعدات، وفي الأردن بقي لدينا ثلاثة شروط لم نحققها هي ما يخص الإصلاح السياسي. أما الأوروبيون، فالشراكة عندهم سياسية بقدر ما هي اقتصادية.

على القوى الوطنية أن تطمئن، فغرم الاستحقاقات السياسية مع أميركا مدفوع سلفا منذ توقيع معاهدة وادي عربة، فلماذا لا نأخذ غنم الاستحقاقات السياسية ممثلة بالإصلاح الديمقراطي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *