الرئيسية » المدونة » دفاعا عن الثقافة لا عن مهرجان جرش

دفاعا عن الثقافة لا عن مهرجان جرش

لا تتجزأ قضية الحرية؛ فحق الحركة الإسلامية في التعبير والترشيح والتداول على السلطة، لا يقل عن حق أهل الثقافة والفن في التعبير. وقد ارتكبت الحركة خطأ كبيرا في افتعالها لمشكلة مع مهرجان جرش للثقافة والفنون، مع أن المهرجان كاد أن يقضي بسبب سياسات رسمية شطبته لصالح مهرجان الأردن. وما كتبه الزميل جهاد المحيسن أمس يشكل فرصة للمناقشة والمراجعة.
وإن كان من خير في افتعال المشكلة، فهو في إتاحته فرصة لمناقشة موقف الحركة الإسلامية من الثقافة والفن. وهو موقف يحتاج إلى مراجعة جدية، وتجديد في الفكر والفقه. فمواقف كثير من قادة الحركة متشددة تسيء إلى صورة الإسلام نفسه. وإن كان من حق البشر أن يزهدوا بمتاع الحياة الدنيا من لهو وفرح وفنون، فليس من حقهم فرض ذلك على غيرهم. ولذا كانت صوامع التنسك والزهد انقطاعا عن الحياة، تماما كانقطاع الحاج “فلا رفث ولا فسوق لا جدال في الحج”، وكانقطاع الصائم عن ملذات الحياة من شروق الشمس إلى غروبها.
لست فقيها ولا أدخل في سجال فقهي، ولكن نظرة مقارنة على التطور الكبير في نظرة الحركات الإسلامية التونسية والسودانية والتركية إلى الثقافة والفن بنظيراتها في معظم البلدان يكشف الحاجة الملحة إلى ثورة حقيقية. قبل يومين من تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، انعقد مهرجان للحركة الإسلامية في ملعب المحطة دعما لانتفاضة الأقصى. ويومها كتبت في “الرأي” منتقدا الدكتور همام سعيد على موقفه المتشدد، فهو خرج محتجا من المهرجان على استخدام موسيقى إلكترونية في أناشيد جهادية.
في ما بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر انشغل العالم بقضية الجهاد والعنف ونسي الثقافة والفنون، وتم التواطؤ مع التشدد المسالم الذي تمثله السلفية العلمية المدعومة من الأنظمة؛ تشدد ما شئت وحرم كل أشكال الثقافة والفنون، والمهم أن لا تخرج عن طاعة ولي الأمر. وبدلا من أن تنشغل الحركة الإسلامية في تطوير فكرها وخطابها، خاضت معركة دفاع عن النفس لإثبات سلميتها والتفريق بين الجهاد والإرهاب.
اليوم، من المهم أن تقف الحركة الإسلامية وقفة مراجعة جدية، تغير مواقفها من الثقافة والفن. وتبدأ بالمشاركة في مهرجان جرش، ليس في دعم الفن المقاوم والأناشيد الجهادية، وإنما في الثقافة والفن كما هما وكما عرفهما العالم. فالفكر السائد نظريا في الحركة يحرم حضور حفلة موسيقية ولو خرج بتهوفن من قبره وأقامها، ناهيك عن العمالقة الأحياء.
لا ريب أن الفرق الجوهري بين الفكرة الإسلامية وسواها أنها تؤمن بالدين، يحلل ويحرم في تفاصيل الحياة. وليست كل الحياة مباحات. لكن المحرم، هو الاستثناء وما ارتبط بمحرمات قطعية. فتحريم الحلال مثل تحليل الحرام. لكن استسهال التحريم حوّل الدين إلى قيد مخيف لا يقوى عليه عامة الناس.
باختصار، من حق الأفراد أن يتشددوا على أنفسهم ويعيشوا حياة زهد ونسك، لكن ليس من حقهم فرض ذلك على سواهم. وقد أثبتت تجارب البشر أن النفور من قيم الدين والأخلاق عموما، يأتي بسبب التشدد فيهما. وهو لا يقل سوءا عن غيابهما والتراخي فيهما. والموقف المتشدد من مهرجان جرش ومساواته بالكازينو يدفع الناس إلى القبول بالثاني نفورا من التشدد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *