الرئيسية » المدونة » شعب ليبيا يدخل المستقبل والقذافي يخرج من التاريخ

شعب ليبيا يدخل المستقبل والقذافي يخرج من التاريخ

لفرق بين الطغاة العرب في الدرجة لا النوع، وقد أثبت العقيد القذافي أنه الأسوأ فيهم إلى اليوم. صحيح أن حجم سرقاته بحسب الأرقام الرسمية الأميركية في أميركا 31 بليونا، وهو نفس رقم حسني مبارك، إلا أن مبارك بدا عقلانيا عندما انسحب بعد 500 شهيد. يمكن عقد مقارنات كثيرة بين العقيد وغيره من الطغاة، وهو سيتربع على عرشهم ملك ملوك بحق ومن دون تزوير أو ادعاء. وعلى فشله الذريع في إدراة بلد غني بالموارد البشرية والمادية أثبت في أيامه الأخيرة عبقرية في تأخير هزيمته المؤكدة. وموارد البلاد التي هدرت على ملذاته وملذات أسرته لم تنل منها البلاد إلا الترسانة العسكرية والجهاز الأمني. وهو اليوم يستخدم بكفاءة تلك القدرات.

عندما كتبت في أوج انتصار الثورة “حكومة الشرق الليبي أفضل من الجماهيرية العظمى” لامني كثير من الأصدقاء على تشاؤمي. واليوم بعد نجاح العقيد في تحقيق تقدم عسكري في الشرق، لا يتزعزع إيماني بانتصار الشعب الليبي. وتشخيص الواقع لا التشاؤم. ليبيا اليوم ليست ليبيا الأمس. انتهى القذافي وعصاباته ليس لأن الشعب الليبي نهض وصمد وقاوم فقط، بل لأن العالم لم يعد يريده.

العالم أعني أميركا. وحتى لا نكذب على أنفسنا فإن جامعة الدول العربية ما كانت لتخرج بقرارها الداعي إلى تدخل دولي حماية للمدنيين لولا وجود موقف أميركي. وأميركا عدو لنا في فلسطين والعراق وأفغانستان. لكنها ليست شيطانا أكبر. وهي من دعم الشعب الأفغاني في ثورته ضد الاحتلال السوفيتي وهي من أوقف المجازر في البوسنة. وفي الحالين كان ثمة موقف عربي وإسلامي مساند لها. وقد سبق تدخلها وجود مجاهدين قاتلوا بأنفسهم من دون انتظار عون أميركي.

طبعا الشعوب العربية تحب أن يسقط القذافي كما سقط سلفاه، لكن متى كان الواقع وفق هواها. وهل من المفروض أن تكون كل الثورات على ” الكاتلوج” التونسي؟ إنها نهضة عربية شاملة تأخذ صيغا ثورية مختلفة. وليس بالضرورة أن يكون طابعها سلميا وسريعا وحاسما. لنقرأ تاريخ العالم، هل صمدت لينين جراد في وجه النازي لولا وجود تحالف دولي ضد ألمانيا النازية على رأسه بريطانيا وأميركا؟

نعادي أميركا ونلومها ونختلف معها، لكن ذلك لا يغير حقيقة أنها الدولة الوحيدة في العالم القادرة تحريك جيوشها إلى أي نقطة في العالم خلال 18 ساعة. والمعارضون للتدخل الأميركي عليهم أن يدلونا على الطريقة التي كان يمكن فيها وقف المجازر في البوسنة؟ رسميا توجد 20 ألف أمرأة مسلمة حملت اغتصابا في البوسنة. كم كان سيكون الرقم لولا الطيران الأميركي؟ هل كان المجاهدون قادرين على صد وحوش الصرب؟

خالتي صباح حياصات مقيمة في فرجينيا، وهي لا تعرف مراكز صنع القرار، تعرف المركز الإسلامي وتمارس فيه عبادتها مثل الجالية المسلمة هناك. وتسأل ببراءة ومن دون غرض سياسي، أنها كانت تتعاطف مع العراقيات اللواتي كن يدعون الله أن ينجح الأميركان في إسقاط صدام، وكانت تعرف مأساة كل واحدة ذاق ذووها مرارة القهر والطغيان. لكن قلبها كان ممزقا بين هؤلاء والجموع التي تظاهرت ضد الحرب سواء في عواصم الغرب أم العالم العربي والإسلامي. تلك الحيرة اختفت مع القذافي. لماذا؟

فرق كبير بين صدام وبين القذافي. طبعا في الدرجة لا النوع. صدام كان طاغية لكن كان لديه مشروع قومي حقيقي، وبنى بلدا معتبرا سواء في منظومته العسكرية والأمنية أم نوعية الحياة من تعليم وصحة وبنية تحتية. وعندما انكسر العراق ترك فراغا استراتيجيا لم يملأ. القذافي دمر بلدا غنيا وأحاله إلى مستنقع من الفاقة والجهل والخراب. البنية التحتية في العراق تعمل إلى اليوم من أيام صدام. في ليبيا إلى اليوم لا يوجد بنية تحتية. ولم تحصل ضد صدام انتفاضة شعبية عامة، حصلت انتفاضتان لهما طابع طائفي في الجنوب وأقوامي في الشمال. وفي المجمل خرج صدام من الدنيا ولم تكن له أرصدة في أميركا. وبالنتيجة خرج صدام من الحكم من دون انتفاضة شعبية وبقوة الاحتلال. بخلاف القذافي.

الموقف الأميركي من النهضة العربية منافق وملتبس ومتردد ومزدوج، لكن بالله عليكم كيف كان موقف روسيا والصين والنظام الرسمي العربي؟ أما الموقف الإسرائيلي فكان حاسما بالوقوف إلى جانب الدكتاتورية. ولولا الموقف الأميركي لما تغير موقف النظام الرسمي العربي.

تدرك إسرائيل أنها تفقد كثيرا أهميتها الاستراتيجية في ظل النهوض العربي. فلن تكون هي واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط. وفي المقابل لن تخسر أميركا بأفول عصر الدكتاتورية العربية. صحيح أنها لن تجد عملاء لها كالسابق لكنها ستجد خصوما شرفاء وعقلاء يقدرون مصالح شعوبهم. وفي النموذج البرازيلي مثال واضح على أن المعادين للهيمنة الأميركية قادرون على إقامة علاقات متوازنة معها.

إن القذافي أسوأ بكثير من مجرمي الصرب. أولئك مهووسون قوميون حاربوا شعبا آخر، أما هو وكتائبه فيقاتلون شعبهم. وهو ما يؤكد خروجهم من دائرة الآدمية. وأما تجارة عداء أميركا فهي كاسدة.

إن شباب ليبيا قاتلوا أميركا في أفغانستان والعراق بدافع دينهم ونخوتهم، لا بتعليمات العقيد الذي يضع 31 بليونا من سرقاته في أميركا. عندما ضبط الأميركيون ملفات المقاتلين العرب في مقر للقاعدة في سنجار تبين أن الرقم الأعلى من ليبيا. وهؤلاء الشباب ليسوا سعداء بتدخل الطيران الأميركي. لكن ما الحل في ظل التفوق العسكري الكاسح لنظام العقيد الذي سخر كل موارد البلاد لصالح الجهاز الأمني والترسانة العسكرية؟

سينتصر شعب ليبيا بعون الله. لكن الله يهيئ أسباب النصر، ومن أهم عوامل النصر العامل الدولي. كل ثورات العالم استعانت بالعامل الدولي، أيام الثنائية القطبية وقف الاتحاد السوفيتي إلى جانب شعوب ووقفت أميركا إلى جانب أخرى. اليوم خلا الميدان لأميركا. ومشكلة الشعب الفلسطيني اليوم أن أميركا تقف ضده. ولو تغير الموقف الأميركي لما بقي الاحتلال الإسرائيلي يوما.

لا نقلل من قوة المجرم، والمجرمون بالضرورة أقوياء، وقوتهم ليست مرتزقة فقط بل سلاح مال، وخدمات خبراء إسرائيليين وغيرهم. ثمة رعاع أنتجهم نظام التجهيل، ولك أن تتخيل عندما تتحول موارد دولة في خدمة المافيا. الرعاع سيكتشفون أن ” القائد” جبان عند الجد، ولن يقاتل لا هو ولا أولاده. سيختفون بسيارات الدفع الرباعي المحملة بحقائب المال، قليل من سلاح، وسيتنقلون بالخيام إلى أن يقبض عليهم ويحاكموا.

القذافي خارج التاريخ والمستقبل للشعب الليبي، والعالم اليوم فخور بأحفاد المختار. وعند الله لن تضيع كل قطرة دم سالت ظلما وكل دمعة انسكبت على عزيز. وستظل تلك الطليعة المؤمنة في قلوبنا ننام ونصحو ونحن نفكر بهم وندعو لهم. وسيطارد شباب ليبيا كما قال أحدهم الدكتاتور
“حفرة حفرة”، وهو مقبور مذموم مدحور. وكل يوم في السلطة هو عليه لا له. ويحفر قبره عميقا. وسيكون مصيره أسوأ ممن سبقوه من الطغاة الهالكين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *