الرئيسية » المدونة » طالب يقتل زميله في جامعة البلقاء

طالب يقتل زميله في جامعة البلقاء


لا أدري كيف سيودع الآباء الذين يدفعون دم قلوبهم، أبناءهم وهم عائدون إلى جامعة البلقاء التطبيقية، سواء كانوا من ذوي القتيل أم ذوي القاتل أم الأكثرية الساحقة من المتفرجين على مشهد الرعب. هل يعطي الأب ابنه “شبرية” أم مسدس برشوت أم يحتاط على” كلشن” في صندوق السيارة؟ هذا إن كان طالبا، أما الطالبة فلن تجرؤ على العودة حتى لو حصلت على مرافق من أشقائها أو أبناء العمومة. ومن يمتلكون شجاعة العودة إلى الجامعة ستظل هواتفهم مشحونة البطارية والخط وغير مشغولة وسيظل الخط ساخنا مع ذويهم. أمام مشهد كهذا يمكن الاستنتاج بسهولة أن الطالب يتخرج في الجامعة بخبرة أسوأ من التي كان عليها. ولو لم يدخل الجامعة لكانت أحواله النفسية والعقلية والاجتماعية أفضل.

أي أسباب تشكل مسرح الجريمة هذا؟ هذه فضيحة تستدعي وقفة مراجعة جدية حفاظا على مستقبلنا الذي سيصوغه خريجو الجامعات. إنه خراب في السياسات الأمنية والتربوية والاقتصادية.. خراب في الأسرة والمجتمع والمدرسة والبيت والإعلام.

أمنيا، من أسباب الكارثة هو الفائض الأمني غير المنظور. لا أتحدث عن حضور النجدة والدرك وغيرهما لفض النزاع وتوقيف المطلوبين والمشتبه فيهم، أتحدث عن العقلية الأمنية التي حكمت الجامعات منذ العام 1993، في عام الشؤم ذاك لم يحضر فقط الصوت الواحد المجزأ الذي خرب مجلس النواب فحسب وإنما رافقه تدخل أمني بانتخابات الطلاب وهيمنة أمنية على الجامعات من ابتعاث طالب البكالوريوس والدكتوراه إلى تعيين الدكتور الذي يتخرج من أرقى الجامعات في العالم.

الهدف الاستراتيجي كان تفريغ الجامعات من السياسة عموما والإسلاميين خصوصا، بحيث لا تكون الجامعة مصدر إزعاج في مسيرة السلام التي ستدخل البلاد جنات النعيم. وما حصل ليس خبرة أردنية وإنما استنساخ للتجربة المصرية في كامب ديفيد، والتي رافقها إصدار اللائحة الطلابية للجامعات المصرية عام 1979 لمواجهة المعارضة الإسلامية واليسارية في الجامعات.

في التدمير المنهجي الذي تعرض له العمل السياسي في الجامعات، استدعيت الولاءات البدائية الضيقة، وانقسم الطلاب إلى أدنى كسر عشري جهويا وطائفيا وعشائريا. لم يقتصر التدمير المنهجي على السياسة وإنما امتد للعلم، رافق ذلك سياسة تعليم عال استرضائية غبية، ونثرت الجامعات على غير هدى في الجغرافيا، وصارت المواقع الأكاديمية المرموقة تخضع لحسابات متناهية الصغر لا علاقة لها بالجامعات. وصار لكل محافظة جامعتها وأحيانا لكل عشيرة!

دخلت جامعة البلقاء مرة واحدة عندما صورت المنجز الحضاري العظيم: منبر صلاح الدين. بدأ المنجز برسوم المعماري الراحل جمال بدران وأتمها المعماري السعودي منور المهيد، وشارك في العمل أنامل النقاشين الأتراك .. هذه هي الجامعة: مجال عام، فضاء عام، حيز عام..التنافس فيه مفتوح بناء على الجهد العقلي الإبداعي بعيدا عن الموروثات التي ولدت مع الإنسان ولم يبذل جهدا في كسبها.

يوجد وزير تعليم عال مشهود له بالقوة العلمية والإدارية، لكن توجد جامعات ضعيفة من مجالس الأمناء التي غدت وظيفة ترضية لرؤساء الحكومات المتقاعدين الذين لا علاقة لهم بالتعليم العالي. أتساءل لماذا يغيب عن رئاسة الجامعة واحد مثل كامل العجلوني أو محمد عدنان البخيت وغيرهما؟ هل أتخيل واحدا منهما يستنجد بالدرك لفض شجار طلابي؟ وجود المسؤول القوي لا يكفي، نحتاج إلى مراجعات قاسية وعلاج أقسى بعيد المدى حتى يكون لنا مستقبل. ولا نقرأ خبر “طالب يقتل زميله “مرة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *