الرئيسية » المدونة » عد عكسي لإغلاق معتقل غوانتنامو: نهاية مؤجلة لحقبة سوداء

عد عكسي لإغلاق معتقل غوانتنامو: نهاية مؤجلة لحقبة سوداء

شكّلت اعتداءات 11 سبتمبر/أيلول 2001 محطة فاصلة في تاريخ ما بعد الحرب الباردة (1947 ـ 1991) وتسعينيات تفكك الاتحاد السوفييتي ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا وغيرها، بدءاً من ترنّح الولايات المتحدة تحت ضربات تنظيم “القاعدة” وصولاً إلى اجتياح أفغانستان، موئل التنظيم. أراد الأميركيون معتقلاً يتيح لهم وضع “الإرهابيين” فيه، فاختاروا معتقل خليج غوانتنامو الذي استأجروه من كوبا في عام 1903، وباشروا العمل على نقل المعتقلين إليه في يناير/كانون الثاني 2002. لم يكن المعتقل عادياً، بل تحوّل لاحقاً إلى واحد من معتقلات عدة تحت القيادة الأميركية، المعروفة بالتعذيب، مثل “أبو غريب” و”بوكا” في العراق، فضلاً عن سجون سرية في أنحاء عدة من العالم. حيال ذلك، سعى الرئيس الأسبق باراك أوباما إلى إغلاق غوانتنامو، وطيّ صفحة بشعة في التاريخ العسكري الأميركي، لكنه لم ينجح في مسعاه في عام 2009، خصوصاً أن ملف “القاعدة” لم يكن قد أُقفل بعد، قبل مقتل زعيمه أسامة بن لادن في 2 مايو/أيار 2011. لاحقاً، سعى الرئيس السابق دونالد ترامب، إلى توسيع عمل المعتقل وتعزيزه، لـ”وضع الأشرار فيه”. لكن الرئيس جو بايدن يحاول الانتهاء من هذا الملف نهائياً، وفقاً لوعدٍ سابق له.

افتُتح المعتقل عام 2002 على خلفية اعتداءات 11 سبتمبر 2001

أول من أمس الجمعة، أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض، جين ساكي، أن بايدن يريد إغلاق معتقل غوانتنامو قبل انتهاء ولايته، في 20 يناير 2025. وشدّدت في مؤتمر صحافي أنه “هذا بالتأكيد هدفنا ونيتنا”، مضيفة “لذا بدأنا عملية مع مجلس الأمن القومي للعمل مع مختلف الوكالات الفيدرالية وتقييم الوضع الحالي الذي ورثناه عن الإدارة السابقة”. ولم تحدد ساكي جدولاً زمنياً، بل شدّدت على أن المراجعة الرسمية ستكون “قوية”، وستتطلب مشاركة مسؤولين من وزارة الدفاع ووزارة العدل والوكالات الأخرى، الذين لم يتم تعيينهم بعد في ظل الإدارة الجديدة. وأفادت بأن “هناك العديد من الأشخاص من مختلف الوكالات، الذين يحتاجون إلى أن يكونوا جزءاً من هذه المناقشة”.

وقال مصدران مطلعان إن المساعدين المشاركين في المناقشات الداخلية ينظرون في إجراء تنفيذي يوقعه الرئيس في الأسابيع أو الأشهر المقبلة، فيما يعد إشارة على جهد جديد لإزالة ما يصفه المدافعون عن حقوق الإنسان بأنه وصمة عار على جبين واشنطن. من جهته، أكد مساعد وزير الدفاع الأميركي للشؤون العامة جون كيربي تأييد وزارة الدفاع “البنتاغون” لضرورة إغلاق معتقل غوانتنامو. وقال إن “وزير الدفاع لويد أوستن يؤيد نية الرئيس جو بايدن إغلاق معتقل غوانتنامو، ويخطط ليكون شريكاً في هذه العملية”. وأضاف أن “هذه المهمة متعددة المستويات ولها عوامل كثيرة. من المهم أن نضمن أمننا القومي في ما يتعلق بمصير المعتقلين”. وسبق لأوستن أن أدلى بإفادة في مجلس الشيوخ جاء فيها: “قد زودنا معتقل غوانتنامو بالقدرة على إجراء اعتقال بموجب قانون الحرب من أجل إبعاد أعدائنا عن ساحة المعركة، لكنني أعتقد أن الوقت قد حان لإغلاقه”.

وكان أوباما قد تعهد بإغلاق المعتقل عندما ترشح للرئاسة للمرة الأولى عام 2008، وقال إن غوانتنامو سيغلق خلال عام واحد من دخوله البيت الأبيض، ولكنه لم يفلح في تنفيذ أحد أهم وعوده. وعزا مقربون من أوباما فشله في إغلاق السجن الأكثر إثارة للجدل إلى عوائق عدة، من بينها عراقيل وضعها الكونغرس عندما أقرّ قانوناً في عام 2011 يسمى “قانون إجازة الدفاع الوطني”، ويتضمن قيوداً صارمة على استخدام الأموال العامة لعمليات نقل السجناء إلى بلدانهم أو إلى الولايات المتحدة للمحاكمة. وتضمن هذا القانون شروطاً، منها منع عمليات النقل إن لم يقرر وزير الدفاع بأن الدولة المستقبلة قد استوفت معايير محددة، من ضمنها التزامها بضمان عدم انخراط المحتجز المفرج عنه في المستقبل في أعمال أو نشاطات إرهابية من شأنها تهديد الولايات المتحدة أو حلفائها.

لكن تحت إدارة أوباما، أعيد توطين 197 شخصاً في بلدانهم أو بلدان ثالثة. أما ترامب فدعا إلى إبقائه، لكنه أبدى تذمّره من كلفته العالية، التي بلغت 445 مليون دولار سنوياً. وبحسب تقارير صدرت العام الماضي، فقد كلف غوانتنامو دافعي الضرائب الأميركيين أكثر من 6 مليارات دولار منذ إنشائه. ويتضمن هذا الرقم تكلفة الطائرات المستأجرة من الجزيرة وإليها، وأجهزة حكومية بقيمة مئات الآلاف الدولارات مما يتم تدميره كل عام بسبب تسرّب معلومات سرية. ولم يطلق ترامب سراح أي من المعتقلين الـ41 الباقين، عدا سجين سعودي توصّل إلى اتفاق مع القضاء الأميركي.

مرّ أكثر من 800 سجين على المعتقل أبرزهم خالد شيخ محمد

ومر على هذا المعتقل منذ افتتاحه أكثر من 800 شخص أوقفوا بتهم تتعلق بالإرهاب، ويقبع حالياً فيه 41 شخصاً منهم 26 سجيناً خطراً لا يمكن الإفراج عنهم، وأبرزهم العقل المدبر، بحسب الأميركيين، لهجمات 11 سبتمبر خالد شيخ محمد. وفي ذروته في عام 2003، كان المعتقل يحتجز نحو 680 سجيناً. ووصف الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش الضغط الدولي من أجل إغلاق المعتقل، بأنه “أداة دعاية لأعدائنا وتشتيت لانتباه حلفائنا”، معلناً تأييده إغلاق غوانتنامو لكنه ترك الأمر لخليفته. وبدأت الولايات المتحدة مساعيها لملاحقة بعض الأسرى في جرائم حرب أمام محاكم تعرف باللجان العسكرية، وأفرجت عن 532 سجيناً. وهناك 10 أشخاص يواجهون المحاكمة أمام لجنة عسكرية، من بينهم خمسة متهمين بالتخطيط وتقديم الدعم اللوجستي لهجمات 11 سبتمبر. وتعثرت قضيتهم بسبب الإجراءات التمهيدية التي استمرت سنوات. ودارت سجالات ساخنة في واشنطن حول إغلاق المعتقل ونقل المعتقلين إلى الأراضي الأميركية، أو ردّهم إلى بلدانهم الأم. ويبدو أن الجدال لم ينتهِ، إذ قال السيناتور الجمهوري من تكساس، جون كورنين، بعد إعلان البيت الأبيض، إن “هوس الديمقراطيين بإدخال الإرهابيين إلى ساحات الأميركيين الخلفية غريب ومضلل وخطير”.

موقف بايدن لقي ترحيباً من جماعات حقوق الإنسان التي لطالما دافعت عن إغلاق غوانتنامو. في السياق، قالت مديرة برنامج الأمن في منظمة العفو الدولية بالولايات المتحدة، دافني إيفياتار، إنه “على مدى عقدين تقريباً، سجنت الولايات المتحدة مئات الرجال في خليج غوانتنامو من دون توجيه تهمة إليهم أو محاكمة”.
(العربي الجديد، فرانس برس، رويترز)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *