الرئيسية » المدونة » على الصفحة الأخيرة

على الصفحة الأخيرة

سنعزل أنا ومحمد أبورمان من صفحة المقالات إلى الصفحة الأخيرة، وإن كان تبدل المواقع يغري بتبدل المواقف فإنه فرصة لطمأنة القارئ بالثبات على الموقف! فالفارق شاسع بين من يبدل تبديلا رغبا أو رهبا وبين من يتطور ويتغير قناعة.

المتغير الأساسي في الشكل، ستكون المقالة مختصرة بنحو مائة وخمسين كلمة، وهذه الكمية ستعوض بمقال تحليلي طويل في الداخل. في المقابل تشكل الصفحة الأخيرة إطلالة أوسع، في الصحافة الورقية تظل الصفحة الأخيرة الأكثر قراءة بعد الأولى.

ولا شك أن نسبة القراءة سواء على النت أم على الورق مرتبطة بالموقع، ويرد على ذلك بقصة نابليون عندما طلب منه أن يجلس في صدر المجلس، فجلس حيث هو وقال” الصدر حيث يجلس نابليون”. هذا صحيح عند القارئ المنتظم الذي يقرأ الصحيفة كاملة ويدقق في المقالات جميعا. أما الإعلام الذي يخاطب العامة فالموقع يصنع الكاتب أحيانا.

 وقد شكل التلفزيون فرصة لصناعة نجوم أو إعادة إنتاج نجوم بفضل تفوق انتشاره على الصحافة المكتوبة، وقد سمعت من فهمي هويدي، أكثر الكتاب العرب انتشارا، والذي بدأ الكتابة في الأهرام ومجلة العربي قبل عقود، أنه ركب سيارة أجرة فرحب به السائق أيما ترحيب فسأله إن كان يتابع مقالاته فقال له “الله يا أستاز أنا بشوفك على الجزيرة!”.

كنت محظوظا إذ عملت في المرئي والمكتوب، وهو ما أتاح لي فرصة المقارنة العملية بينهما، فعلى اتساع انتشار المرئي يظل سريعا، ومع أنه يكون صاعقا كالبرق، إلا أنه وميض قد لا تدركه العين. المكتوب يعطي فرصة للتعمق ويظل أكثر ثباتا. فالصحيفة ورقا أو شاشة يمكن استعادتها في أي لحظة وتظل في متناول الجميع على عكس التلفزيون.

 وفي المكتوب ثمة تفاوت بين التعليق السريع والمقال التحليلي الطويل. لا أنسى سعادتي الغامرة عندما نشر لي أول مقال تحليلي في صحيفة الحياة اللندنية عام 1996، فقد شكلت صفحة “أفكار” منتدى لأفكار الكتاب العرب ومن يكتبون بالعربية، مثل الرئيس الإيراني محمد خاتمي.

بقي أن أتحدث عن “الغد”، التي قدمتني كاتبا، بعد أن كنت صحافيا. ومع أنني أكتب في الرأي منذ العام 1999 إلا أنني من حيث الكم والموقع لم أُعرف كاتبا إلا في الغد، وقد قدمت الصحيفة الشابة وجوها جديدة للقارئ الأردني شكلت تنوعا وإثراء. ولم تكتف بما ينشر ويوزع بيعا واشتراكا، بل كانت سباقة في تسويق الكاتب عبر إعلانات ملأت السمع والبصر.

سألتقي قراء الصفحة الأخيرة يوما بعد يوم، ولكن لن أقطع مع قراء صفحة المقالات، أما قراء النت فلن يتغير عليهم شيء، وسأظل سعيدا بما يعلقون اتفاقا أم اختلافا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *