الرئيسية » المدونة » عندما تحقّق الديمقراطية في الكويت إجماعاً شعبياً

عندما تحقّق الديمقراطية في الكويت إجماعاً شعبياً

‏قدّمت الانتخابات الكويتية إجاباتٍ على المشكّكين في الديمقراطية باعتبارها تهديدا للدول، وخصوصا المَلكية منها، وتفكيكا وتقسيما للمجتمعات، وإعاقة للتنمية والازدهار اقتصاديا، ومواجهةً مع العالم والإقليم، فقد شكّلت الانتخابات ما يشبه إجماعا كويتيا، كادت تغيب فيه الحدود بين المعارضة والموالاة، وحال ارتياح عام، وإن رافقها نوعٌ من التوجّس لا أكثر. الإنجاز الكبير للديمقراطية الكويتية أنها أثبتت، خصوصا بعد انهيار النموذج التونسي، أن الديمقراطية ممكنة في العالم العربي، فالبناء الدستوري الديمقراطي، وإن تعثر وتراجع، إلا أنه لم يتعرّض للانهيار، وحافظت البلاد على رأسمال سياسي قابل للنماء والتطوّر.

توافقت نتائج الانتخابات مع أجواء خطاب أمير البلاد الذي ألقاه ولي العهد، عبّر عن ثوابت الدولة والمجتمع. وتضمّن لاءات خمسا، حققت قاعدة صلبة للمشاركة السياسية، أولها لا لتعليق الدستور، وأنه لن تُتّخذ أي خطوات قد تتعارض مع الدستور. ثانيًا، شدّد الأمير على لا لتدخل قيادة الدولة في الانتخابات المقبلة، بما في ذلك انتخابات رئيس مجلس الأمة. ثالثًا، لا للانحياز لطرفٍ سلّط الأمير الضوء على موقعه الدستوري باعتباره فوق السلطات الثلاث، مؤكدًا على حصر الإدارة المباشرة في البلاد في السلطتين التنفيذية والتشريعية. رابعًا، لا للانحياز للحكومة، وانتقد بشكل واضح أداء الحكومة. خامسًا، وضع الأمير القرار الذي اتخذه بحلّ مجلس الأمة في إطار استجابته للمطالب الشعبية. في المقابل، تضمن الخطاب إشارة مبطنة إلى “إجراءات ثقيلة” قد يتم اتخاذها إذا كانت هناك عودة “إلى ما كنا عليه”، في إشارة إلى ما تشهده البلاد في السنوات الأخيرة من تجاذبات.

في انتخابات الأسبوع الماضي، عادت شخصيات سياسية وازنة مثل أحمد السعدون، وقد وصل عدد المحسوبين على المعارضة إلى 30 نائبا (من أصل 50). ولم يؤدّ هذا الوضع إلى احتقان، ولا إلى استقطاب، ‏بقدر ما نمّى ثقافة المشاركة والتوافق.

لعل الجواب الأساسي الذي قدّمته انتخابات الخميس الماضي في الكويت هو الردّ على البعبعيْن (التهديديْن) اللذيْن يستخدمان للترهيب من الديمقراطية: الأول، التهديد الإسلامي، فقد وصل إلى مجلس الأمة عدد من الإسلاميين، إخوانيين (الحركة الدستورية) وسلفيين، لكن الكتل الأساسية هي معارضة برامج، لا مناهج. اختيارات سياسية لا انقسامات أيديولوجية، الخلاف على قضايا تهم المواطن وتعبر عن مصالح الدولة والمجتمع، وهذه هي الديمقراطية. البعبع (التهديد ) الثاني، إيران، خصوصا في ظل محاولات العبث الإيرانية أمنيا وعسكريا في الكويت، واكتشاف خلايا إرهابية حقيقية مرتبطة بها، فضلا عما يشهده العراق من احتلال إيراني. الشيعة في الكويت في النهاية وطنيون، يختلفون ويتفقون سياسيا. ولكن لا يجوز تصنيفهم طابورا خامسا أو طائفة دخيلة، ‏وهذا من أهم النجاحات التي تسجّل للكويت.

‏تاريخيا، حمت الديمقراطية الكويت، فما تهدّد التنمية والاقتصاد الدكتاتورية، فقرار غزو الكويت ما كان ليتم لولا النظام الشمولي البعثي. ولولا الديمقراطية لما صمدت الكويت ولما تحرّرت. لم يتمكّن صدّام حسين من إيجاد عميل له كويتي رغم احتلال البلد. في المقابل، نتيجة حال القهر السياسي في العراق، لنتذكّر أن أبو مهدي المهندس كان قد هرب من العراق إلى الكويت، والنخبة الحاكمة في العراق، بسبب نظام البعث الشمولي، ذهبت إلى إيران، وأصبحت إيرانية الولاء والانتماء.

‏الكويت قصة نجاح تنموي واقتصادي، قبل أن تكون قصة نجاح سياسي، ولكن الديمقراطية لا تمطر ذهبا ولا فضة، وأمام الكويت استحقاقات اقتصادية صعبة، ‏وقد حقّق رئيس الوزراء شعبية كبيرة، خصوصا في ملف محاربة الفساد، ولكن هذه الشعبية ليست دائمة، فهناك ملفات أخرى غير شعبية، ستضطرّ الحكومة للتعامل معها، رغم ارتفاع أسعار النفط، سواء ما تعلق بالديْن العام أو فرض ضرائب على المواطنين. المواطن الكويتي مثل أي مواطن خليجي تعوّد على نمط الرفاه ودولة الرعاية، ومن الصعب أن يتحوّل بسرعة إلى دافع ضرائب، ولكن الديمقراطية تكفل محاربة الفساد وتحقيق التنمية الاقتصادية.

بقيت ملاحظة أخيرة، أحمد السعدون هو الفائز الأكبر في الانتخابات، وبات مؤكّدا وصوله إلى رئاسة مجلس الأمة، هو من ألدّ أعداء التطبيع، وهو الذي أخرج إسرائيل عام 1976 من اتحاد كرة القدم الدولي. .. وهذا ليس السبب الوحيد لكراهية الصهاينة الديمقراطية في العالم العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *