الرئيسية » المدونة » في مصر قاتل ريجيني مجهول.. فماذا عن الخمسة الذين قتلوا بهذه التهمة؟

في مصر قاتل ريجيني مجهول.. فماذا عن الخمسة الذين قتلوا بهذه التهمة؟

سوف يمضي الأمر في مساره المعهود، سيموت بعض الأبرياء من أجل إبعاد التهمة عن القاتل الحقيقي. يبدو أن ذلك كان منطق الجهات الأمنية في مصر عند تعاملها مع قضية مقتل الإيطالي جوليو ريجيني؛ فبعد نحو 50 يوما من اختفائه ثم العثور على جثته أعلنت وزارة الداخلية التوصل لتشكيل عصابي تورط في قتل ريجيني.

وكي لا تكون هناك خيوط يمكن من خلالها نسج الرواية الحقيقية لما جرى، قالت وزارة الداخلية -في بيان لها- إن التشكيل العصابي يتكون من 5 أفراد، قتلوا جميعا في تبادل لإطلاق النار بينهم وبين قوة شرطية.

وهكذا انتشرت الصور لما نتج عن واقعة تبادل إطلاق النار؛ 4 جثث غارقة في الدماء مكومة داخل حافلة مثقوبة بمئات الرصاصات وجثة وحيدة تحيطها دائرة حمراء ملقاة على الطريق إلى جوار الحافلة.

ومع التطورات الأخيرة في قضية ريجيني، حيث أغلقت السلطات المصرية “مؤقتا” ملف التحقيق، في ظل بقاء مرتكب واقعة القتل “مجهولا” كما وصفته؛ تعتزم النيابة الإيطالية إجراء محاكمة غيابية لـ5 أفراد يعملون بأحد الأجهزة الأمنية بالقاهرة. ويبدو السؤال مشروعا حول مصير المصريين الخمسة الذين اتضح بعد سنوات أنهم كانوا كبش فداء ذبحته القاهرة من أجل إرضاء روما، وإبعاد التهمة عن آخرين.

كبش فداء

أتى ريجيني إلى القاهرة من أجل إتمام دراسته الأكاديمية بجامعة كامبردج حول النقابات العمالية المستقلة بمصر، لكنه وبعد أسابيع قليلة من تواجده بالعاصمة المصرية اختفى، في 25 يناير/كانون الثاني 2016، وسط انتشار أمني كثيف بالشوارع، بالتزامن مع ذكرى ثورة يناير/كانون الثاني 2011، ثم عُثر على جثته بعد 9 أيام ملقاة في منطقة صحراوية بمحافظة الجيزة، وعليها آثار تعذيب.

وإثر الحادثة، وقع خلاف دبلوماسي بين القاهرة وروما؛ إذ أشارت أصابع الاتهام الإيطالية بعد أيام قليلة من اكتشاف جثة ريجيني إلى تورط السلطات بمصر في الجريمة، حيث ظهرت عدة تسجيلات تثبت مراقبة أجهزة أمنية مصرية للطالب الإيطالي قبل اختفائه.

ومع محاولات القاهرة نفي تورط مسؤولين أمنيين في الجريمة، ظهرت عدة روايات تُبعد التهمة عن الجهات الرسمية، ومنها أن ريجيني قُتل في حادث سيارة، ورواية ثانية تقول إن الدافع وراء الجريمة جنسي، وأشارت رواية ثالثة إلى أن الضحية شوهد وهو يتجادل مع أجنبي بالقرب من القنصلية الإيطالية في المساء الذي سبق يوم وفاته.

لم تنطل تلك الروايات على سلطات التحقيق الإيطالية؛ مما دفع الأجهزة الأمنية في مصر لتدفع برواية أخيرة تتعلق بتشكيل إجرامي قالت إنه استهدف ريجيني من أجل سرقته، وكان ذلك في 24 مارس/آذار 2016.

وأرفقت وزارة الداخلية في بيانها حول التشكيل العصابي صورا لمتعلقات الطالب الإيطالي التي كانت بحوزته قبل اختفائه للأبد، مثل هاتفه الجوال ونظارته الشمسية وجواز سفره وبطاقة الهوية الجامعية.اعلان

كما ذكر البيان هوية 4 من أعضاء العصابة المزعومة، وجميعهم سبق اتهامهم في قضايا سرقة ونصب -حسب الرواية الرسمية- وتتراوح أعمارهم بين 26 و60 عاما، أما الخامس لم يتم الاستدلال على هويته.

وصرح مسؤول مركز الإعلام الأمني بأن الأجهزة الأمنية بمديرية أمن القاهرة تمكنت من استهداف تشكيل عصابي بنطاق القاهرة الجديدة تخصص في انتحال صفة ضباط شرطة واختطاف الأجانب وسرقتهم بالإكراه، وتمت تصفيتهم في تبادل لإطلاق النار.

ولم تقتنع روما بدماء المصريين الخمسة، واعتبرت ما أعلنته القاهرة بشأن التشكيل العصابي رواية غير قابلة للتصديق، ومجرد تغطية على المجرم الحقيقي، بل إن بعض المحللين السياسيين اعتبروا أن الحادثة تدين السلطات المصرية أكثر مما تبرئها، على اعتبار أنه لا أحد سيصل للمتعلقات الشخصية لريجيني سوى جهة أمنية.

وأمام الرفض الإيطالي، تراجعت القاهرة عن تلفيق التهمة للمواطنين الخمسة بعد قتلهم، واكتفت النيابة العامة المصرية بحصر الجرم الذي ارتكبوه في سرقة متعلقات ريجيني.

وقالت صحيفة الغارديان في تقرير لها نشر، في سبتمبر/أيلول 2016، إن المجموعة التي قتلها الأمن المصري والمكونة من 5 أشخاص، هم سائق و3 أشقاء وصديق لهم، كانوا يحملون سجلا إجراميا لكنهم لم يكونوا مجرمين عتاة، فأحدهم مثلا سُجن لأنه مدمن مخدرات.

وأوضحت أن المواطنين المصريين يوم مقتلهم كانوا في طريقهم إلى أحد المنازل في القاهرة من أجل طلائه، لكنهم قبل وصولهم إلى هناك قتلتهم الشرطة.

أهالي الضحايا

مع الريبة التي تحيط حادث مقتل المصريين الخمسة، كان من الطبيعي أن تتجه الأنظار إلى ذويهم لاستبيان مدى صحة ادعاءات الأجهزة الأمنية بحق المقتولين، لكن يبدو أن طريق الوصول إليهم سُدّ بواسطة الجهة المستفيدة من التعتيم، وطوي ما جرى لهم ضمن ما جرى لريجيني.

ولا يوجد أثر لصوت أهالي الخمسة سوى ما نقله بيان وزارة الداخلية عن رشا شقيقة المتهم الأول طارق سعد عبد الفتاح، حيث قالت إن أخيها كان يتردد عليها بصفة مستمرة على مدار الأيام الماضية، وأنها كانت تعرف امتهانه السرقة والسطو المسلح على الضحايا وسرقة متعلقاتهم الشخصية.

وأضافت أنه قبل قتله على يد الشرطة بـ48 ساعة، حضر إليها وترك لها على سبيل الأمانة حقيبة حمراء اللون عليها علم دولة إيطاليا، وبداخلها “محفظة جلد بنية اللون بها جواز سفر باسم شخص أجنبي، وبطاقات كتب عليها باللغة الأجنبية، و”فيزا كارت”، وجهازا تليفون، وحافظة جلدية حريمي، ومبلغ 5 آلاف جنيه، وقطعة داكنة تشبه مخدر الحشيش، وساعة يد حريمي سوداء اللون و3 نظارات شمسية”.

غير أن صحيفة البديل نشرت خبرا، في سبتمبر/أيلول 2016، أي بعد نحو 5 أشهر من الحادثة يفيد بعزم أهالي الضحايا على مقاضاة جهاز الشرطة، بعد أن أعلنت النيابة العامة المصرية براءة القتلى الخمسة من تهمة قتل ريجيني.

ونقلت البديل عن أسر القتلى الخمسة قولهم “لا نستطيع نسيان مشاهد أبنائنا المشرحة بعد قتلهم من قبل قوات الشرطة بطريقة بشعة”، مؤكدين أن الشرطة “لم تبقِ شاهدًا واحدًا لسرد الحقيقة”.

الملفت أن الصحيفة نقلت تصريحا عن رشا شقيقة طارق يخالف رأيها الذي نقله بيان وزارة الداخلية، حيث أكدت أن الضحايا قتلوا من دون وجه حق، وعلى خلفية تهمة لم يرتكبوها.

ولكن يبدو أن الجهة المستفيدة من التعتيم أوقفت أهالي الضحايا عن اللجوء إلى المسار القانوني، ولم يقدموا على رفع دعوى قضائية بخصوص مظلوميتهم، ورأى بعض المراقبين أن تصرف الأهالي يعني تعرضهم للتهديد.

كم ريجيني في مصر؟

وبعد عزم إيطاليا على إجراء محاكمة غيابية لأفراد من الأمن المصري بتهمة قتل ريجيني، قالت صحيفة الجارديان إن القضية أصبحت بالنسبة لكثير من الإيطاليين والمراقبين الدوليين تمثل البحث عن العدالة ليس من أجل ريجيني، ولكن لآلاف المصريين الذين اختفوا وعذبوا على يد قوات الأمن المصرية.

وفي تقرير لها حمل عنوان “كم ريجيني في مصر منذ 2013؟” أكدت منظمة “كوميتي فور جستس” وصول حالات الوفاة داخل أماكن الاحتجاز إلى 1058 حالة خلال الفترة من يونيو/حزيران 2013 إلى أكتوبر/تشرين الأول 2020.

وذكر المدير التنفيذي لـ”كوميتي فور جستس” أحمد مفرح أن ريجيني لم يكن الضحية الوحيدة للسلطات المصرية، فمن بعده جاء المواطن الفرنسي إريك لانج، والأميركي جيمس هنري لون، وغيرهما من الذين قتلوا بدم بارد، ومن دون محاسبة لقاتليهم ومعذبيهم حتى الآن، وسط صمت دولي مريب.

وقال الكاتب الصحفي بلال فضل إن هناك مسؤولا أمنيا قرر قبل سنين حماية أمن مصر عن طريق اعتقال وتعذيب وقتل باحث إيطالي، وعندما فُضح أمره قرر مسؤول أمني آخر أن يقتل 5 مصريين من أجل إخفاء الجريمة الأولى.

وتابع عبر حسابه على موقع فيسبوك “شاركت كل الأذرع الإعلامية والمواطنين الشرفاء في حملة مسعورة تتهم المواطنين الخمسة بقتل ريجيني عشان يسرقوه، ولما تحولت الحكاية إلى فضيحة بسبب إصرار أهل ريجيني على محاسبة المسئول الحقيقي عن قتل ابنهم ما حدش اعتذر ولا طالب بمحاسبة المسئول، حتى أهالي القتلى الخمسة اتهددوا بحياتهم لو نطقوا”.

وأضاف فضل أنه بعد إعلان إيطاليا أسماء ضباط الأمن المصري المتورطين في قتل ريجيني بالتزامن مع إعلان النيابة المصرية أن القاتل مجهول، لم يتذكر أحد المواطنين الخمسة الذين اتهموا بارتكاب الجريمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *