الرئيسية » المدونة » في وداع قارئ “الغد”

في وداع قارئ “الغد”

ليس سهلا، بعد هذه السنوات، مغادرة “منزل يألفه الفتى”. فـ”الغد” لم تكن بالنسبة لي نزلا عابرا، بقدر ما هي مستقر عامر؛ منذ التحضيرات لإصدارها صحيفة جديدة شابة تنافس في سوق متخمة بالصحف العريقة، إلى أن استوت على عودها تتقدم قريناتها حضورا وتأثيرا وتوزيعا وإعلانا. على صفحاتها، كنت أكمل مهمتي الصحفية التي لا تتسع لها شاشة التلفزة؛ ففي الحرف المسطور أفق لا تصله الكاميرا، وعمق لا تسبره.
على الشاشة، كنت أقدم الخبر؛ معلومة حقيقية مجردة لا تحتمل الخلاف. وفي المقال، كنت أقدم الرأي المنحاز الذي يحتمل الاتفاق والاختلاف والنقاش. لكنه لم يكن رأيا مبنيا على حصيلتي الفكرية والثقافية، بل مستندا إلى المعلومات التي يتيحها لي عملي التلفزيوني الميداني، فليس مثل التلفزيون من يوصلك إلى مصادر المعلومات إلى درجة معاينتها وملامستها. هنا أتذكر وقع قذائف طائرات الـ”أف 16″ في صور، وما سببته من مجازر في قانا وغيرها، وما خلفته من ركام وحطام في غزة؛ تعرف رائحة الموت واللحم الآدمي المحترق.
ليست تلك الصور المروعة التي وثقتها فحسب، إذ بموازاتها روعة تجدها في شوارع المدن العتيقة؛ في بغداد ودمشق والقاهرة والرباط وقرطبة والقدس واسطنبول وشواطئ غزة وصور وهافانا. وفي عملي، وثقت محليا جماليات البتراء وضانا وعجلون والبحر الميت، تماما كما وثقت صخب التظاهرات وقنابل الغاز صورة وكتابة.
اليوم أستعيد الحقائق التي عايشتها بفضل الكاميرا. رجب طيب أردوغان الذي يتوج انتصاراته الكبرى، غطيت فوزه الأول بعد الحظر السياسي عليه في سيرت العام 2002. وأبو عبيدة الذي يروي اليوم انتصارات الأنفاق في الحرب الثالثة على غزة، كنت قد سمعت روايته على أنفاق تلة الكاشف في الحرب الأولى. وجمعة الغضب في القاهرة كنت قد عشتها في نظارة الترحيلات في مطار القاهرة. ذلك وغيره روت بعضه كاميرا “الجزيرة”، وأكمل مقال “الغد” ما لا ترصده الكاميرا.
عن حرب تموز كتبت مقالي في “الغد”، لتقتبس “نيويورك تايمز” على صفحتها الأولى فقرة من ذاك المقال. كنت مدينا للصحيفة “المحلية” التي أفسحت لي مكانا في صحيفة دولية. والأهم عندي ما حققته لي “الغد” محليا. فصناديق الاشتراك الحمراء على أبواب البيوت كانت تعني لي أني ضيف على آلاف بيوت الأردنيين، ناهيك عن موقع “الغد” الإلكتروني الذي يعتبر من أفضل المواقع العربية.
سببت كثيرا من المتاعب للصحيفة بسبب تخطي السقف المعتاد، وتحمّلَ رؤساء التحرير رعونتي أحيانا. وكنت أبرر لنفسي بأن جرأتي وجرأة غيري من الزملاء هي ما ميّز هوية “الغد”، وجعل الكلفة مطاقة. وتمكنت الصحيفة من التكيف مع تقلب “مزاج” الحرية بناء على معطيات محلية وإقليمية، إلى أن حققت مساحة معقولة من الحرية قل نظيرها محليا وعربيا؛ ليس في صفحات الرأي والتعليق فقط، بل أيضا في الخبر والتحقيق. وهو ما يجعلها جديرة بالاحتفال بعيدها العاشر.
أعرف أن مقالاتي كانت تثير غضب مسؤول حينا، وغضب قراء كذلك؛ إذ لم أكن أكتب وفق ما “يطلبه الجمهور”، فدور الكاتب بالضرورة نقدي، يلقي حجرا في بئر راكدة، ويطرح أسئلة ويثير نقاشا يحقق اختلافا لا إجماعا، وبقدر ما يتفق معه قراء يختلف آخرون. وظللت حريصا على من يختلف معي من قراء، تماما كما أحرص على من يتفق معي. وفي مجمل الأحوال، لم أكن أسعى للترويج السياسي من خلال الإملاء، قدر سعيي للتثاقف من خلال النقاش. ربما تورطت بانفعال واستفزاز، لكن ما يشفع لي أني لم أكن أنفعل لشأن شخصي، بقدر ما هي غيرة على قضايا عامة. وفي “الربيع العربي” انفعلت ابتهاجا، بدءا من مقالي “مدد سيدي بوزيد مدد”، وصولا إلى انفعالي غضبا على مجازر الثورة المضادة.
كنت أجد نفسي في شارع الحبيب بورقيبة في تونس، وميدان التحرير في القاهرة، وميدان الساعة في حمص، تماما كما أجد نفسي تحت وقع الرصاص المنهمر على المعتصمين في رابعة. كنت سعيدا بتوثيق أشواق جيل في “الربيع العربي”،  قدر حزني بتوثيق خيباته في الثورة المضادة التي حولت أزهار الربيع إلى هشيم.
بعد تعييني مديرا لـ”الجزيرة”، وجدت في مقالات “الغد”، وقبلها في “الرأي” و”الحياة”، كما في تقاريري وأفلامي الوثائقية، خير دفاع عني في ظل الهجمة المنظمة عليّ. فالمفارقة أن جهتين شنتا هجوما معتمِدا على الأكاذيب واجتزاء الكلام. الثورة المضادة من خلال اجتزاء مقالي في “الغد” قالت إني ناطق باسم “داعش”، ومتخصص في شتم عاهل السعودية. و”داعش” قالت إني عميل أميركي، عينت في موقعي لمحاربتها. ويكفي قراءة ما كتب على حساب حمد المزروعي من الإمارات على التوتير، وترجمان الأساورتي أبرز إعلامي “الدولة الإسلامية”. في الرد عليهما يكفيني أرشيف “الغد”.
أشعر بالفخر أني لم أنتظر وقوع الجريمة بحق مسيحيي الموصل على يد “داعش”، لأكتب بشكل انتقائي. كتبت قبلها بسنوات عن الجريمة بحق مسيحيي العراق على يد النظام الطائفي والتنظيم الطائفي، وكتبت عمّا فعله التنظيم بمسيحيي الرقة قبل أن يستولي على الموصل، ولكني رأيت الصورة كاملة غير مجتزأة؛ فمليون مسيحي هجروا من سورية خلال عقود من حكم الأسد. ومسيحيو العراق بدأ تهجيرهم “الناعم ” على يد الاحتلال والنظام الطائفي، قبل التهجير الدموي على يد “الدولة الإسلامية”.
في مقالاتي لم أسطّح الظاهرة في لونين؛ أسود وأبيض. حاولت تفكيك الألوان المتداخلة؛ فليس كل من حارب النظام الطائفي في سورية والعراق إرهابي. كثيرون هجروا أهلهم وعيشهم الرغيد وبذلوا عزيز النفوس، دفاعا عن الشعوب المظلومة التي ارتكبت بحقها أبشع المجازر. ورصدت أيضا النفاق الدولي في “التدخل العسكري” الذي لا يحدث عندما تدمر سورية ويشرد نصف شعبها، ويحدث في ليبيا لأنها لا تجاور إسرائيل ويوجد فيها نفط.
لست بوارد عرض مقالاتي، وربما أجمعها في كتاب. لكني أوثق امتناني لـ”الغد”؛ صحيفة وقارئا، فهما من منحاني هذه المساحة العزيزة.
هنا فرصة للوداع والشكر لكل عامل في الصحيفة، ولا أستطيع أن أسرد الأسماء منذ تأسست الصحيفة. ولكل قارئ أحب مقالي أو احتمله مستاء، فلم أكن في ما أكتب معلما بقدر ما كنت متعلما، حرصت أن أستفيد ما أمكن من تفاعل القارئ والمحرر، وسعيت أن أرتقي إلى المستوى الجدير بهم. فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي.
ما وصلت إليه طموح لكل إعلامي؛ هو تكريم من القناة لي، آمل أن أكون جديرا به. وأنا مدين بما حققت ليس للصحف التي عملت بها وآخرها “الغد”، بقدر ما أنا مدين لبلدي الذي نشأت فيه وتعلمت وعملت؛ لمدارس الأقصى وكلية الحسين وجامعة اليرموك؛ لأسرتي، لوالدي رحمه الله الذي ورثت عنه حب الكتب، ولوالدتي التي صبرت واحتملت وشجعت. مدين لزوجتي وأطفالي الذين أبعدتني مهنة المتاعب كثيرا عنهم، وظلوا سندا لي؛ مدين لمدينتي معان وأهلها الذين تعلمت منهم أن الخوف رذيلة، وأن الشجاعة فضيلة.
لا أبتعد عندما أكون في الدوحة، فهي قريبة، والعربي فيها ليس غريب الوجه واليد واللسان. و”الجزيرة” في قطر لسان أمة “شفتاي امتداد لجرح بها كلما صاح صحت”، هي اليوم توثق وهج الانتصار في غزة، وهول الكارثة. وستظل القناة كما كانت واحدة من المشاريع القليلة التي تؤكد أننا عرب، لا طوائف وأشتاتا.
لدي الكثير من العمل والأمل. وأسأل الله أن أكون عند ظنكم، وأن يمنحني ظهرا قويا لا حملا خفيفا. اسمحوا لي أن أنفعل للمرة الأخيرة هنا وأقول “وإني على فراقكم لمحزون”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *