الرئيسية » المدونة » كواليس مؤتمر أربيل: خديعة التطبيع بعنوان السلام

كواليس مؤتمر أربيل: خديعة التطبيع بعنوان السلام

صدمت الدعوات إلى التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، الصادرة عن مؤتمر استضافته أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، يوم الجمعة الماضي، الأطياف العراقية المختلفة، حتى من داخل الإقليم، وأثارت رفضاً واسعاً وتحركاً من قبل السلطات العراقية لاعتقال ومحاسبة المسؤولين والقيّمين على المؤتمر. غير أن كواليس هذا الحدث، الذي أُطلق عليه اسم “مؤتمر السلام والاسترداد”، وشاركت فيه شخصيات أغلبها غير معروفة، تكشف عن خديعة انطلقت من الترويج للقاء على أنه دعوة للحوار بين الأديان والسلام ونبذ الإرهاب والتطرف، وصولاً إلى إسقاطه في مربع التطبيع. هذه الرواية الكاملة للخديعة منذ الدعوة إلى المؤتمر، وصولاً إلى عقده وما تلاه.

منظمون غير معروفين

على مدى ثلاثة أسابيع، قادت شخصيات محلية عراقية في أربيل، اتصالات واسعة مع العشرات من الوجوه العشائرية والسياسية الناشطة في مدن شمال وغربي العراق وبغداد، إضافة إلى ناشطين في الحراك المدني العراقي، تدعوهم للمشاركة في مؤتمر حمل اسم “السلام والاسترداد”، في أحد فنادق مدينة أربيل الراقية، مع توفير ليلة مبيت ووجبات طعام والتكفل بمصاريف النقل وغيرها، وسط وعود بأن تحضر المؤتمر شخصيات أممية من بغداد والولايات المتحدة، يمكن البحث معها بملفات جانبية متعلقة بشؤون المدن العراقية الأكثر تضرراً من الإرهاب. ومن أصل أكثر من 500 دعوة تمّ توجيهها، استجاب قرابة المائتي شخص بالحضور إلى أربيل.

روّج للمؤتمر على أنه دعوة للحوار بين الأديان والسلام ونبذ الإرهاب والتطرف

وسام الحردان، وهو شخصية عشائرية من محافظة الأنبار غربي العراق، وحليف سابق لرئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي الذي عيّنه عام 2013 رئيساً عاماً لقوات الصحوة العشائرية المناهضة لتنظيم “القاعدة” في العراق، إضافة إلى شخص يدعى الشيخ أبو محمد، وهو من أهالي نينوى ومقيم في أربيل ويقدم نفسه على أنه وجه عشائري ويملك استثمارات ومشاريع في مجال البنى التحتية، شاركا بمهمة الاتصال بشيوخ العشائر والشخصيات المستهدفة لإقناعهم بالمشاركة في المؤتمر، وذلك إلى جانب أشخاص آخرين، منهم سعد عباس وعامر الجبوري، وموظفة في وزارة الثقافة تدعى سحر الطائي.تقارير عربية

أكراد العراق يحيون ذكرى استفتاء الانفصال ويدعون لإنهاء “التهميش”

ووفقاً لمصادر رفيعة في بغداد، تحدثت لـ”العربي الجديد”، فإن المدعوين للمؤتمر تمّ إبلاغهم أنه يعقد حول حوار الأديان الإبراهيمية والدعوة إلى التقريب والسلام ونبذ الإرهاب والتطرف، من دون ذكر إسرائيل أو التطرق إلى مسألة التطبيع. لكن الحاضرين فوجئوا لاحقاً بالكلمات والبيانات التي صدرت عن المؤتمر من قبل القائمين عليه. وأكد اثنان منهم، أن موضوع تشكيل “الإقليم السنّي” في العراق، كان حاضراً في الحديث أيضاً وأن المؤتمر يشكّل فرصة لبحث هذه المسألة مع شخصيات دولية.

المؤتمر الذي عقد مساء الجمعة في أربيل، واستمر أكثر من ست ساعات وتخلّلته استراحتان ووجبة طعام، تناقص عدد الحضور فيه خلال ساعته الأخيرة، وذلك من 203 أشخاص إلى أقل من مائة شخص، بحسب ما أكد مطلعون على المؤتمر، من بينهم ناشط كردي في أربيل. وقال الناشط لـ”العربي الجديد”، إن كثيرين من الحضور انسحبوا بعد مشاهدتهم علم دولة الاحتلال من بين صور عدة كان يجري عرضها وتقليبها على شاشة مثّبتة على يمين منصّة المؤتمر. واكتشف هؤلاء أنه جرى الإيقاع بهم، وحصلت بسبب ذلك مشادات كلامية وإطلاق شتائم في ممّر قاعة المؤتمر الخارجي، سمعها الموجودون داخل القاعة، بحسب الناشط، الذي أكد أن الحديث عن 300 شخصية شاركت في المؤتمر، هو خديعة وقعت بها وسائل إعلام أجنبية وعربية سلّمت بالأرقام التي أعلنت عنها الجهة المنظمة للمؤتمر، والتي تبنت الدعوة للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.

وجاء في البيان الختامي للمؤتمر الذي قرأته الموظفة في وزارة الثقافة العراقية سحر الطائي: “نطالب بانضمامنا إلى اتفاقيات إبراهيم (أبراهام). وكما نصّت الاتفاقيات (اتفاقيات التطبيع التي عقدت بين 4 دول عربية، هي الإمارات والبحرين والمغرب والسودان مع دولة الاحتلال)، على إقامة علاقات دبلوماسية بين الأطراف الموقعة ودولة وإسرائيل، فنحن أيضاً نطالب بعلاقات طبيعية مع إسرائيل، وبسياسة جديدة تقوم على العلاقات المدنية مع شعبها بغية التطور والازدهار”. وأضافت الطائي، التي تترأس منظمة مناهضة للعنف ضد المرأة، وكانت من المتحدثين خلال المؤتمر: “لا يحق لأي قوة، سواء أكانت محلية أم خارجية، أن تمنعنا من إطلاق مثل هذا النداء”.

تصدر الدعوات للمؤتمر 7 أشخاص رئيسيين، من بينهم وسام الحردان من الأنبار وموظفة في وزارة الثقافة

وكشف مسؤول رفيع في جهاز الأمن الوطني العراقي، لـ”العربي الجديد”، أن سبع شخصيات هي التي نظّمت المؤتمر، وهي شخصيات رئيسية تولت مهمة التواصل مع المدعوين، لافتاً إلى أن تمويل المؤتمر بالكامل وتنظيمه حصل من قبل مركز “اتصالات السلام”، ومقره نيويورك، أما رئيسه فيهودي من أصل عراقي يدعى جوزيف رود (وقد حضر المؤتمر). ولفت المصدر إلى أنه جرى إيقاع وخداع عدد غير قليل من الشخصيات للحضور، وهو ما يفسّر صدور أكثر من 40 بياناً لاحقاً، تضمنت الإعلان عن التبرؤ من المؤتمر والانسحاب من البيان الختامي والتوضيح بشأن المؤتمر ومخرجاته. ولفت المصدر إلى أن تحقيقاً موسعاً يجري حالياً في بغداد بشأن المؤتمر، فيما لم يبد مقنعاً لبغداد تبرير أربيل بأنها لم تكن على اطلاع بشأن مخرجاته، بسبب وجود موافقات مسبقة لعقد المؤتمر من قبل جهاز الأسايش (الأمن الداخلي في كردستان العراق)، علماً أن أي فندق في الإقليم لا يوافق على استضافة أي نشاط، من دون إحضار موافقة أمنية، وهو إجراء معمول به منذ فترة طويلة. وأكد المصدر أن المؤتمر تضمّن مداخلة عبر الدائرة الإلكترونية من شخصيات إسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأخرى من الولايات المتحدة، ومداخلة من الإمارات لمسؤول في وزارة الثقافة أيضاً، كاشفاً عن أن المعلومات الأولية الموجودة لدى جهاز الأمن العراقي تشير إلى حصول القائمين على المؤتمر على أموال، إلى جانب وعود بدعم مستقبلهم السياسي في مناطقهم، وهو المحرّك الرئيسي لعقد المؤتمر، على حدّ قوله.

ورجّح المسؤول الرفيع في جهاز الأمن الوطني العراقي، أن تصدر سلطات إقليم كردستان، وبضغط من بغداد، قراراً بإبعاد المشاركين في المؤتمر من الإقليم، حيث يقيم عدد منهم فيه، لكن دعوات صدرت في بغداد لكي يقوم الإقليم بتسليمهم، حيث يواجهون تهماً عدة، من بينها العمالة والخيانة العظمى، في إشارة إلى المادة 201 من الدستور العراقي التي تجرّم التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي أو الترويج له. ووصف المصدر المؤتمر بأنه “يهدف إلى صنع نصر سياسي وهمي لدولة الاحتلال، ستتغنى به عبر إعلامها”.

رفض عراقي قاطع

وأصدر مجلس القضاء الأعلى في بغداد، أمس الأحد، مذكرات إلقاء قبض بحق ثلاثة من المشاركين في المؤتمر. ونقلت وكالة الأنباء العراقية (واع) بياناً للمجلس أوضح فيه أن “محكمة تحقيق الكرخ الأولى في بغداد، وبناء على معلومات مقدّمة من مستشارية الأمن القومي، أصدرت مذكرة قبض بحق المدعو وسام الحردان، على إثر الدور الذي قام به في الدعوة إلى التطبيع مع إسرائيل. كما تم إصدار مذكرة قبض بحق المدعو مثال الألوسي، والموظفة في وزارة الثقافة سحر كريم الطائي، عن الجريمة نفسها”.

وألمح البيان إلى قرب صدور مذكرات قبض أخرى جديدة بحقّ المتورطين في المؤتمر التطبيعي، حيث أكد أنه “سيتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحق بقية المشاركين، حال معرفة أسمائهم الكاملة”. وتتابع مستشارية الأمن الوطني الملف، في تحرك بالتنسيق مع السلطات في أربيل. وقال مستشار الأمن القومي، قاسم الأعرجي، في تغريدة عبر “تويتر”، إن “التنسيق مستمر مع الإقليم لمحاسبة أصحاب المشاريع المعادية، وفقاً للقانون”، مشدداً على أن “العراق مع الحقّ الفلسطيني في دولته المستقلة”.

وأصدرت الرئاسات العراقية الثلاث مواقف رسمية متشددة إزاء المؤتمر. وتوعدت حكومة مصطفى الكاظمي القائمين عليه والمشاركين فيه بالمحاسبة، فيما تبرأت عشائر شمر وعبيد والدليم والبو عيثة والبو ناصر، وبطون عربية أخرى، من المشاركين في إصدار البيان، وسط دعوات أخرى من أوساط عشائرية وقبلية بإهدار دمّ المشاركين في ما أطلق عليه وصف “مؤتمر العار”. وجاء ذلك إلى جانب إجماع سياسي عراقي من ممثلي المكونات السنّية والشيعية والكردية والمسيحية والمدنية، وقوى سياسية أبرزها الحزب الشيوعي العراقي والتيار المدني، برفض المؤتمر وتأكيد موقف العراق الثابت من الاحتلال وحقّ الشعب الفلسطيني.

طالب البيان الختامي للمؤتمر بانضمام العراق إلى اتفاقات أبراهام التطبيعية

وقال نجل شيخ عشيرة البو ناصر، فلاح حسن الندا، وهو كان أحد الحاضرين لمؤتمر أربيل التطبيعي، إنه “تعرّض للخداع”، موضحاً في بيان، أنه التقى بوسام الحردان ولفيف من الشيوخ قبل يوم من عقد المؤتمر، وحدثهم الحردان عن المؤتمر وعنوانه، وهو التعايش السلمي بين الديانات ومن ضمنها الدين اليهودي. وأضاف الندا: “حضرنا المؤتمر، وأغلبنا مغرر به، وفوجئنا بتضمن الخطابات كلمة إسرائيل، ومصطلحات التعايش السلمي ومبادرة إبراهيم والتطبيع مع إسرائيل”. ولفت إلى أن ذلك “كان حال أغلب الحضور. أما بخصوص ما دار خلال المؤتمر، فالعنوان كان شيئاً، وواقع الحال شيء آخر”.
من جهته، قال شيخ عشيرة الجغايفة في الأنبار، عواد الجغيفي، إن “المنظمين للمؤتمر، ومنهم وسام الحردان الذي دعا إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، لا يمثلون إلا أنفسهم، والحردان هو شخص مطرود من الأنبار، لا يستطيع دخول مدينته الأم بسبب خيانته لها في أكثر من موقف ومناسبة، وما صدر عنه لا يمثل عشائر الأنبار التي تعتبر التطبيع خيانة عظمى، وأمراً مرفوضاً جملة وتفصيلاً، كما أن الذين حضروا مؤتمر أربيل شخصيات عادية، ليس لها أي تأثير في المحافظة”. واعتبر الجغيفي، في اتصالٍ مع “العربي الجديد”، أن “ضعف الحكومة العراقية وضعف تطبيق القانون أدّيا إلى تمادي بعض الأشخاص المتهمين بالخيانة، في التصريح والظهور الإعلامي”.

أما الحزب الشيوعي العراقي، فوصف المؤتمر بـ”المقزز والسخيف”، وأن المشاركين “لا أهمية لهم”. ورأى عضو الحزب علي الصافي، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن “الجيّد في الموضوع هو الإجماع العراقي الكبير والمفرح حول رفض المؤتمر، أما المنظمون فشخصيات نكرة، لا يشكلون أي رقم في المجتمع”.

أربيل تتبرأ من المؤتمر

وأمس الأحد، أعلن المتحدث باسم حكومة إقليم كردستان، جوتيار عادل، أن الإقليم ملتزم بالإطار العام للسياسة الخارجية العراقية، مضيفاً أن المؤتمر التطبيعي “لم يُمثّل من قبل إقليم كردستان. إن موقف الإقليم من إسرائيل والقضية الفلسطينية مرتبط بالدستور العراقي”. بدورها، أعلنت رئاسة إقليم كردستان العراق، أن لا علم لديها بمؤتمر “السلام والاسترداد” الداعي للتطبيع مع الاحتلال، ولا بمضامين مواضيعه، مضيفة أن “ما صدر عن الاجتماع ليس تعبيراً عن رأي أو سياسة أو موقف إقليم كردستان”. وشدّدت على أن “أي موقف أو توجه مرتبط بالسياسة الخارجية، هو من صلاحيات الحكومة الاتحادية، والإقليم ملتزم بها”.

تنصلت أربيل من معرفتها مسبقاً بمضمون المؤتمر فيما أصدرت بغداد مذكرات للقبض على منظميه

وتواصلت “العربي الجديد” مع عضو الحزب “الديمقراطي الكردستاني” الحاكم في أربيل، ريبين سلام، الذي قال إن “عقد مؤتمر التطبيع مع إسرائيل لا يعني تأييد حكومة الإقليم أو الأحزاب في كردستان لمضمون المؤتمر”. وأوضح سلام أن “أربيل عاصمة إقليم كردستان تسمح للجميع بإقامة فعالياتهم الثقافية والحقوقية وندواتهم ومؤتمراتهم، ولا يوجد أي منع للحرّيات، كما أن المؤتمر الأخير عقد بعنوان (السلام) وتبنته منظمة دولية، وهذا ما نعرفه، أما بالنسبة لما تمّ طرحه عن ملف التطبيع، فهذا ليس بعلم حكومة كردستان، كما أن السلطات الأمنية لا تضع لاقطات صوت أو تسمح بالتجسس على مثل هذه الندوات”. واستنكر “تحوّل رافضي المؤتمر إلى مهاجمين لإقليم كردستان”، معتبراً أن “قيام جهات سياسية بتوجيه التهديدات إلى الإقليم والتنكيل بحكومته، هو من أجل تحقيق غايات سياسية وانتخابية”.

وكتب الخبير السياسي في إقليم كردستان هيوا عثمان، متسائلاً عبر حسابه على موقع “فيسبوك”، أنه إذا كان المشاركون في الاجتماع من الشيوخ، أشخاصاً مؤثرين ولهم ثقلهم في مناطقهم، كان بإمكانهم تأمين مائة متر مربع في مناطقهم لعقد هكذا اجتماع، وعدم توريط أربيل في هذه القضية الخلافية”، معتبراً أن “المؤتمر كان هدفه توريط أربيل من أجل استدراج الهجمات الإيرانية وهجمات المليشيات على الإقليم”.

لكن النائب العراقي كاطع الركابي، رأى أن “أربيل متهمة، حتى وإن نفت ارتباطها أو علمها بالمؤتمر الذي دعا إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، كونها تجمع معظم الشخصيات المؤيدة للتطبيع مع كيان يغتصب أرضاً عربية، بالتالي فهي مطالبة بطرد كل هؤلاء، وعلى الحكومة العراقية أن تعمل على تجريمهم وفق القانون العراقي الذي يُعاقب بالإعدام كل من حبّذ أو روّج للمبادئ الصهيونية، أو انتسب إلى أي من مؤسسات الكيان الصهيوني أو ساعدها مادياً ومعنوياً”. ورأى الركابي في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، أن “الكيان الصهيوني يتعكز على أربيل لتحقيق هدف التطبيع مع العراق، من خلال فتح مكاتب وتمويل مشاريع مدنية، لكن هذه الممارسات مكشوفة ولن تصل إلى نتيجة، لأن الشعب العراقي ورث الرفض لهذا الكيان”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *