الرئيسية » المدونة » لا تعطوا الأميركيين دروساً وتعلموا منهم

لا تعطوا الأميركيين دروساً وتعلموا منهم

لا يوجد أسوأ من دونالد ترامب بالنسبة للعالم كله، لكن بالنسبة للناخب الأميركي الأمر مختلف، فقد انتخبه وفضّله على هيلاري كلنتون، وقد يعيد انتخابه، لحساباتٍ تخص هذا الناخب، والذي أتيح له الاستماع لحجج الطرفين. ففي موضوع كورونا، وهو الأهم، اتضح أن نسبة كبيرة تتفق مع ترامب بأن ضرر الإغلاق والتشدّد على الاقتصاد يفوق ضرر الفيروس، ولم تُصغ لرأي الأطباء والعلماء. وقد تنجح هذه المجموعة الكبيرة في إعادة انتخاب ترمب.

الأميركي معني بالوظيفة والضرائب بالدرجة الأولى، كما يبدو، وهو ما نجح ترامب فيه، سواء بجهوده وسياساته، أم بما حصده من نجاحات حقبة أوباما الذي تمكّن من اجتياز الأزمة الاقتصادية بجدارة. قد يخسر ترامب، بفارق بسيط، لكن هذا مجرد حظ، وليس لأن الأكثرية ترفض سياساته، أو شخصه. 

حتى لو لم تكن الانتخابات على أساس نظام المجمع الانتخابي، فإن الانقسام عميق في المجتمع الأميركي، وترامب يمثل القطب الجمهوري فيه. ليس بسبب الاقتصاد فقط، وإنما بسبب الرؤية المحافظة للثقافة والمجتمع. صحيحٌ أن سلوكه الشخصي غير محافظ، لكنه داعم للمحافظين والمتدينين، وتجلّى هذا في نائبه ووزير خارجيته والقاضية التي اختارها للمحكمة العليا. 

هذه الانقسامات موجودة في كل المجتمعات بأشكال مختلفة، والنظام الانتخابي يعبر عنها. المشكلة في ترامب أنه يفتقر للنزاهة الشخصية، فهو إلى اليوم لم يكشف عن سجله الضريبي، فضلاً عن علاقاته المشبوهة بالروس. وهنا المشكلة ليست في النظام الانتخابي، وإنما في المحقق الخاص الذي فشل في تقديم لائحةٍ تدينه. إضافة إلى الحصانة المبالغة فيها للرئيس في الدستور الأميركي، والصلاحيات الواسعة له. 

يكتفي العالم العربي بمقاعد المشجعين، بين من يؤيدون بايدن ومن يؤيدون ترامب، والجمهور في النهاية لا يسجل أهدافاً، ولا يتدخل في اللعبة. أكثر من ذلك، يؤثر الرئيس الأميركي على بلادنا أكثر من تأثيره على المواطن الأميركي، فموقف ترامب المساند للدكتاتوريين العرب، سواء في دعم عبد الفتاح السيسي أم صناعة محمد بن سلمان وحمايته، والدعم المطلق لسياسات نتنياهو في تهويد القدس وتشجيع الاستيطان وتدمير إمكانية إقامة دولة فلسطينية، يفوق تأثيره كثيراً على المواطنين الأميركان الذين لا يملك أن يعتقل واحداً منهم مهما هاجموه. 

المأمول أن يستفيد الجمهور العربي من سهرته الطويلة مع الانتخابات الأميركية، بمعزل عن الفائز. بدلاً من التشجيعات التي أطلقها مناصرو ترامب، عليهم أن يتعلموا منه كيف جاء بأصوات الناخبين، واحتمل المرض وكبر السن ليجوب الولايات مستجدياً أصوات الناخبين. لا يحتاج الأميركيون دروساً، وكل مواطن محصّن، مثله مثل الرئيس، ولم يستطع ترامب، بكل إمكانات الرئاسة وهجومه القبيح، منع فوز ألد أعدائه، رشيدة طليب التي وصفته في تغريدة منشورة لها بـ”الخراء”، وألهان عمر، وفازتا بجدارة.

لم يطبّل الإعلام لترامب. على العكس، انحاز، بمجمله، بشكل واضح، ضده، وقيّدت منصة تويتر، وهي شركة أميركية، تغريداته التي ادّعى فيها الفوز. لقد بذلت النخبة الأميركية جهداً ملحمياً في فضح أخطائه، سواء في الكتب أم المقالات أم البرامج الساخرة والأفلام، لكنه تمكّن من الوصول إلى الناخب، بحيث جعل من الصعب هزيمته. 

بمعزل عن الفائز، لن يتدخل أقوى جيش في التاريخ. المسألة متروكة للمدنيين ناخبين، وإذا اختلفوا، فالقضاء المدني والمؤسسات الولائية تفصل بينهم، ويبقى الجيش متفرّغاً لمهامه الأساسية في حماية البلاد، لا حماية الرئيس الذي قد يذهب بفارق أصوات قليلة. 

سيكون صعباً على العالم احتمال ترامب أربع سنوات أخرى، وعلى العرب بخاصة سيكون أكثر صعوبة. سيحتفل به الطغاة ونتنياهو، وسيواصل الضغوط دعماً لمسار التطبيع.. أما المواطن الأميركي فسيكون قد اختار التعايش مع ترامب، ومع كورونا، في آن واحد، ولم يفكر بنا ابتداء.

دلالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *