الرئيسية » المدونة » لماذا يختلف أطفال غزة عن سائر أطفال العالم؟

لماذا يختلف أطفال غزة عن سائر أطفال العالم؟

أطفال فلسطين لديهم تجربة حياة مختلفة تماما عن سائر أطفال العالم، فهم يصنعون تاريخ وطنهم بمقاومة المحتل، ويتعلمون كيف يعيشون الحياة التي تسرق منهم تفاصيلها، ويحملون قضية تخلى عنها الكثيرون، ويدفعون حياتهم ثمنا لها إذا لزم الأمر.

ربما نتعاطف معهم ونتألم حينما نراهم يصرخون موجوعين، ولكنهم مع ذلك يعيشون الحياة رغما عن أنوف من أراد لهم الموت.اقرأ أيضاالمقلوبة والبالونات وعلم فلسطين.. بساطة المرابطات تستفز جيش الاحتلالبين مشاهد الدمار والركام.. بائع بالونات العيد يتجول لإسعاد أطفال غزةصواريخ تنفجر في قلوبهن.. أمهات يروين حكايات جحيم الحرب على غزةمسنّون في غزة.. الحرب “قطعة من جهنم” والمقاومة “رفعت رؤوسنا”

يعرفون كيف يعبرون لوسائل الإعلام المتحيزة ضدهم عن مشاعرهم، ويتساءلون لماذا يخونهم العالم ولماذا تمحى صور بيوتهم من على خريطة غوغل؟!

الطفل الفلسطيني محاصر بين قطعة صغيرة من الأرض وليس أمامه سوى البحر، ولديه 4 ساعات فقط من الكهرباء خلال اليوم، سبل الاكتشاف لديه قليلة ومع ذلك يحب التعلم.

أطفال فلسطين يكبرون سريعا بسبب وعيهم وتشربهم الواقع من حولهم، وبسبب التجارب التي يمرون بها خصوصا تجارب الحرب التي تؤلمهم وتجعلهم صامدين وأكثر شجاعة وحرية وإحساسا بالمسؤولية.

قضية وطن في القلوب

تقول الدكتورة وفاء أبو موسى، المستشارة النفسية والحاصلة على الدكتوراه في الدعم النفسي للأطفال، في حوار لها مع الجزيرة نت، إن “أهلنا في غزة يحكون لنا قصصا تربطنا بمدينة الملائكة ويقولون لنا أسباب عيشنا في المخيمات وليس في بيوتنا الحقيقية في مدن فلسطين حيفا وعكا ويافا، يروون لنا كيف هجر جدودنا في عام 1948، أهلنا يرضعوننا القضية الفلسطينية صغارا، وهذا ما يجعلنا مختلفين عن الآخرين كبارا”.

وتوضح وفاء أن أطفال العالم يتعلمون التاريخ من الكتب في المدارس، يدرسون منهاجا على الورق، لكن أطفال فلسطين يعيشون تاريخ بلدهم لحظة بلحظة، يعيشون جميع أنواع العدوان عليهم وعلى طبيعة الحياة التي يعيشونها.

وتؤكد أن الحصار المتواصل والأزمات المتكررة تخلق منهم أطفالا يحملون المسؤولية ولديهم هدف واضح، يساندون بعضهم بعضا ليصيروا أقوياء. ومع ذلك فهم يحملون في قلبهم جرحا كبيرا لوطنهم.

بالنسبة لأمهات فلسطين فهن يعلّمن أطفالهن الرباط والتحمل والرضا بالقضاء والقدر والعزيمة والوطنية.

وتقول وفاء إن حياة الحرب تضيف إلى أطفال غزة جزءا لا يعرفه أطفال العالم الآخرون، وهذا يجعلهم واعين ربما حينما تنتصر فلسطين ستكون نهاية قصة كفاحهم الطويلة.

وتضيف “نحن نصاب بالهلع والخوف نتيجة القصف وهي مشاعر طبيعية، نحن لسنا حديدا، نحن نتألم كالآخرين ولكن لدينا قوة المواجهة والصبر على المصيبة والتعاطف والمساندة الاجتماعية مع بعضنا. الأهم أننا ننسى كل مشاكلنا الخاصة في حالة العدوان والحرب، ونوحّد صفوفنا وهدفنا على العدو”.blob:https://www.aljazeera.net/1861f13f-1d08-41b7-8274-dbc7cca01653تشغيل الفيديو

عزيمة ومقاومة

يعيش شعب فلسطين تحت وطأة احتلال يعمل فقط ليبث الخوف والأمراض النفسية، وبالرغم من ذلك فهو شعب مقاوم.

يحاول الاحتلال تدمير الروح المعنوية للشباب الفلسطيني ويشوش المفاهيم التي تربى عليها، ولكن الوعي الحقوقي والسياسي والمدني الذي يحصل عليه هؤلاء الشباب من المؤسسات ومن الأهل يعتبر المتراس الذي يكسر ما يفعله الاحتلال بنفوسهم.

الحرب لها تأثير كبير على الأطفال، ونحن الاختصاصيين النفسيين ندرب ونوعي الأهل ليكونوا الحاضنة الآمنة للأطفال وقت الحرب، فحتى إذا اهتزت الأرض من تحت أقدامهم يكون وجود الأب والأم هو الأمان الوحيد بالنسبة لهم.

لذلك حينما يفقد هؤلاء الأطفال أحد الأبوين أو كليهما في أحلك الأوقات على الإطلاق، تتبناهم مؤسسات الأيتام ويخضعون لبرامج الدعم النفسي المتخصصة في الصدمة النفسية وفي علاج آثار فقدان الأب والأم.

الدعم النفسي يساعدهم لتقبل تجربة الفقدان والتعبير عن حزنهم بحيث لا يؤثر على استمرار حياتهم وتحقيق ذواتهم وأن يكون لهم دور إيجابي في الحياة.

نحن نشاهد أطفال شهداء انتفاضة عام 1987 وقد صاروا شبابا مسؤولين عن أسرهم، فأطفال فلسطين يصنعون الحياة من الألم. وبالرغم من كل ما يمرون به، يريدون أن يكبروا ليساعدوا الجيران والأهل وجميع من يعانون، لذلك يلجؤون إلى التعليم، فالجميع في فلسطين يهتم بالتعليم، لأنه السلاح لمحاربة العدو والتفوق عليه. وهذا ما يحدث في الحرب الحالية، الجميع يتحدث عن صواريخ وطائرات جديدة محلية الصنع.

هدم الذكريات وبناء الأحلام

تقول وفاء أبو موسى “حينما يهدم منزل في فلسطين تنهدم معه الذكريات والأيام الجميلة وياسمينة الدار والشجر والريحان وعبق الحنة، جنود الاحتلال لا يهدمون البيت إنهم يحاولون هدم الروح داخلنا، لكننا مع ذلك صامدون، صحيح أن العالم يرى الصراخ والبكاء والألم على شاشات التلفزيون ولكنه أمر عادي ناجم عن صدمات الهلع والخوف والقتل والتدمير، والذي يستلزم الكثير من الوقت ليشفى الجميع ويستعيدوا توازنهم النفسي ويبدؤوا من جديد”.

“تعودوا على الموت”

تقول وفاء إن “البعض يقولون إننا تعودنا على الموت في غزة، ولكن هذا قول مؤلم جدا، فحينما نفقد شخصا نفقد روحنا ونفقد تاريخنا ومشاعرنا معه”.

تواصل

“كل شخص في غزة عاش هذه التجربة، وعن نفسي فقدت أخي أسامة في ديسمبر/كانون الأول 2004، وقد حرمت من توديع جثمانه لأنني كنت بمصر لاستكمال دراستي وكان المعبر مغلقا فلم أستطع العودة. ولكن أول شيء فعلته حينما رجعت إلى غزة هو ذهابي مباشرة إلى قبره لأبلغه السلام. رجعت إلى البيت أتنفس ملابسه وأمشي في الشواع أتلمس بعض ذكرياتنا سويا”.

وتضيف “الفقد بشكل عام صعب على الجميع فما بالك إن كان موتا بصاروخ أو بأكثر الطرق بشاعة والمحرمة دوليا. والتواصل الرحيم من أفضل المدارس في علم النفس، وهو المناسب لمن يعيشون في فلسطين، فلولا تواصلنا الرحيم لما عشنا تاريخا طويلا من النضال والكفاح”.

ماذا يمكنك أن تقدم للناجين من الحرب؟

تقول وفاء إن رعاية الناجين من الحرب دور كل شخص في المجتمع ولا سيما المجتمع العربي، فيجب تسجيل وتأريخ ما يحدث من قبل الكتاب والمؤرخين والصحفيين. وعلى المتخصصين في المجال النفسي تقديم الدعم النفسي للأطفال والكبار. ويمكن استغلال إمكانيات الإنترنت التي نعرفها الآن بعد انتشار فيروس كورونا ونقوم ترتيب لقاءات وحلقات دعم ومساعدتهم على التعبير عن مشاعرهم والألم الذي مروا به، ونوصل لهم وقوفنا معهم ودعواتنا لهم.

وتؤكد أن التباكي لا يفيد أطفال فلسطين، ولكن الدعم والمساندة والتشجيع وتقديم المنح الدراسية وتبني الأيتام ماديا أو معنويا هو الأهم.

وتضيف أن لوسائل الإعلام كذلك دورا مهما في نقل قصص الصمود والنجاح لهذا الشعب، وبالرغم من النار والظلم فإن الشعب الفلسطيني لديه ما يقدمه للعالم.المصدر : الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *