الرئيسية » المدونة » ليست المرأة السعودية وحدها ..

ليست المرأة السعودية وحدها ..

كانت سورية، قبل انقلاب البعث، وحكم أسرة الأسد، أول بلد عربي يمنح المرأة حق الانتخاب. ما أوضاع المرأة فيها؟ قد تكون الأسوأ عالميا، سواء من حيث عدد اللواتي تعرّضن للاغتصاب والتعذيب والسجن والاختطاف والاعتداء وباقي الموبقات. يتحمّل النظام الوحشي المسؤولية، بالدرجة الأولى، ولكن ثمّة مسؤولية مجتمعية يتم تجاهلها، ففي تحقيقٍ أجريتُه عن الاغتصاب في سجون بشار الأسد، في بداية الثورة السورية، تبين أن من أعقد المشكلات التي تواجه الناشطين في مساندة الضحايا هو موقف الأهل الذين يتنكّر بعضهم للعار الذي لحق به. وفي اللجوء السوري إلى بلدان الغرب، تفتحت أعين اللاجئات على حقوقٍ لم تكن متاحةً، لا قبل الثورة ولا بعدها، وشهدنا حالات طلاق وانفصال عن الأسرة.
وفي اليمن، قبل الحرب المدمّرة التي جعلت من البلد أكبر كارثة إنسانية، بلغت نسبة الأمية في صفوف النساء 90%. وتخيّل ما وضعها اليوم؟ في بلاد زنوبيا وبلقيس هذا هو الوضع. والوضع في باقي العالم العربي متفاوت، لكنه في المجمل يظل بالمعايير الدولية متراجعا. وفي مصر، أكبر دولة عربية، تبيّن في مسحٍ للأمم المتحدة عام 2017 أن 99% من نساء مصر تعرّضن للتحرّش، أي أن كل امرأة في مصر، محجبة وغير محجبة، غنية أم فقيرة، هي مستباحة. وما لم تتحقق العدالة للفئات الأضعف في المجتمع (المرأة، الطفل، …) فستظل هذه الفئات غائبة عن الجميع، فالعدالة والمساواة والحرية، وغيرها من قيم عليا، لا تنتصر إذا تعاملت معها المجتمعات بانتقائية وجزئية.
في الأسبوع الماضي، انشغل العالم برهف محمد القنون، المراهقة السعودية التي هربت من ذويها، واستقبلتها في كندا وزيرة الخارجية. وتزامنت قصتها مع مقالٍ شقيقة لجين الهذلول التي كشفت فيها عما تتعرّض له شقيقتها على يد مستشار ولي العهد السعودي (يقال أنه أبعد)، سعود القحطاني، وزبانيته من تعذيبٍ وإهانة وتحرّش. لا شك في أن ذلك الانشغال مفهوم، وليس نتيجة مؤامرة تستهدف السعودية وقيادتها الشابة (المتهوّرة)، فمنذ جريمة اغتيال الصحافي جمال خاشقجي المروعة، انقلب الإعلام العالمي على ولي العهد السعودي، وتحولت صورته من زعيم ” إصلاحي” شاب يحرّر المرأة، ويمنحها حق القيادة وفرص العمل (30% من سوق العمل في رؤية 2030) إلى دكتاتور وحشي، يعتقل الناشطات الإصلاحيات، ويصب عليهن ألوان العذاب.
يشتمل العدد الجديد من مجلة نيويوركر الأميركية على تحقيق مهم عن هروب النساء من السعودية في عهد محمد بن سلمان الذي يقود، بحسب التحقيق، “حملة عالمية” لإسكات منتقديه، ويطاردهم في شتى بلدان العالم. ويكشف التحقيق أن عدد طالبي اللجوء السعوديين تضاعف عام 2017 إلى 1200، فضلا عن المنفى الاختياري (مثل جمال خاشقجي) الذي يصعب رصده أو إحصاؤه. وتستعرض محاولاتٍ أمنيةً معقدةً فشلت في إحضار هارباتٍ، وربما أن بعضها نجح. تتم عملية الملاحقة للهاربات من خلال الضغط على الأهل والأصدقاء وشركاء العمل، وصولا إلى التهديد والاختطاف. تنقل المجلة عن إحداهن “نحن لسنا مثل من يفرّون من الحرب في بلادهم”، فعندما يصلون يتركون القنابل وراءهم، “فهم آمنون، لكن ليس نحن، الخطر يتبعنا” .
يدفع قمع ولي العهد السعودي الرجال، قبل النساء، إلى الهرب، لكن أسباب هرب النساء أكثر تعقيدا من قمعه الوحشي. لا شك في أن لدى المرأة في العالم العربي عموما، والسعودية خصوصا، أسباب أخرى، علينا أن نفكر فيها. نحتاج إلى حلول فكرية وثقافية واجتماعية واقتصادية، حتى تشعر المرأة في بلادنا بإنسانيتها. لدينا أزمة قيم وأخلاق، فما تتعرّض له النساء لا يقرّه دين، ولا قانون، ولا أعراف. وفي المقابل، نحتاج فقها تجديديا، خصوصا في السعودية، فلا يعقل أن يُمنّ على المرأة بقيادة السيارة في وقت وصلت في بلدان إسلامية إلى رئاسة الدولة، وفي دول خليجية إلى موقع الوزارة. يُمارس هذا القمع باسم الدين، عندما منعت المرأة من قيادة السيارة منعت لأن الدين يحرّم ذلك، وعندما سمح قيل إن الحاكم سمح وتبعه رجال الدين. المفروض كان أن يتحرّك المشايخ قبل الحاكم لمنحها حقها الطبيعي.
رهف وغيرها هربن، ولا نعلم كم هن اللواتي يفكّرن مثلها، علينا أن نفكّر بالأسباب التي دفعتهن إلى ذلك. مجتمعاتنا ليست بخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *