الرئيسية » المدونة » ماذا لو أفطروا.. واستمعوا لمحاضرة؟

ماذا لو أفطروا.. واستمعوا لمحاضرة؟

يظن قارئ تصريحات الناطق باسم نواب جبهة العمل الإسلامي، حمزة منصور، عن منع محافظ العاصمة لحفل إفطار خيري تقيمه جمعية العفاف مقطعا ساخرا في كاريكاتير أبو محجوب. لا تتوقف السخرية هنا، المنع يشمل اعتصاما احتجاجيا أمام السفارة المصرية على الاعتقالات السياسية. وحتى لا تتهم الحكومة بتقصد الإسلاميين شملت هداياها القوميين، ومنع الكاتب العراقي صلاح المختار من دخول البلاد التي وصلها مدعوا للمشاركة في ندوة في مجمع نقابات إربد.

لو أطلقنا العنان لنظرية المؤامرة، وأجبنا عن سؤال ماذا كان سيحصل لو سمح بالأنشطة الممنوعة؟ سيتناول المدعوون طعاما أكثر في الإفطار الخيري يهدد الأمن الغذائي، وستنضب النساء بعد الإقبال غير المسبوق على الزواج بأموال “العفاف”! سيقتحم المعتصمون السفارة المصرية ويحتجزون طاقمها! سيعلن بوش سحب قواته من العراق بعد أن وصل صلاح المختار إلى إربد!

تقول القاعدة الذهبية لسلاح الجو الإسرائيلي “انتبه مما لا تراه”، وعلى الحكومة أن تنتبه من النشاطات التي لا تتقدم بطلب ترخيص من المحافظين. وعليها أن تطمئن بأن أكثرية الناس تفقد الثقة بها وبأحزاب المعارضة وبمجلس النواب، ومع فقدان الثقة ترتفع نسبة من يخافون من انتقاد الحكومة علانية إلى 78 في المائة كما في مؤشر الخوف. وهذا لا يخصها دون غيرها من الحكومات وإنما تراجع منهجي يتراكم منذ عام 1993.

اختبرت الحكومة نوايا المعارضة عندما سمحت باعتصاماتٍ احتجاجا على الأسعار، وبمظاهرات دعما للمحاصرين في غزة. ولم يحصل ما يهدد أمن البلد. على العكس تماما ما يهدد الأمن هو غياب ثقافة الاحتجاج السلمي وإمساك هوامش التطرف والتعبير العنيف بزمام المبادرة. وبدلا من أن يمنع الاحتجاج على الاعتقالات في مصر لنفكر بما يجري فيها اليوم.

مارست الدولة المصرية قمعا منهجيا للمعارضة بأطيافها كافة. وجعلت مشاركتها السياسية، سيما في الانتخابات البلدية الأخيرة، أقل من رمزية. وباعتبارهم العمود الفقري للمعارضة نال الإخوان المسلمون الحظ الأوفر من التنكيل والاعتقالات. ذلك شل حركة المعارضة، وشغلها بنفسها عن غيرها. لكن تحت السطح كانت تنمو وتتجذر معارضة غير منظمة لا ترصدها رادارت أجهزة الأمن. وبدأت مواجهات المحلة الدامية ولا أحد يعرف إلى أين ستنتهي.

يحتج الناس في العام كله وبدلا من كتم الاحتجاجات اكتشف البشر بتجربة المائة سنة الأخيرة على الأقل أن الإصغاء لهم أفضل. من السياسيين العرب من لم يعتبر حتى بدرس الثورة الفرنسية، فعندما تساءلت ماري انطوانيت لماذا لا يأكل المحتجون بسكويتا بدلا من الخبز وجدت سياسيا مصريا يترجم أقوالها اليوم بدعوة الناس إلى تغيير عاداتهم الغذائية وتقليل كميات السكر في الشاي!

لا يسدل ثوب البراءة على كل الاحتجاجات. فثمة مآرب سياسية للمعارضين وربما مؤامرات من المتربصين (قد يتهم الاتحاد السوفياتي بدعم المطالبين بالخبز!). ولا يلغي ذلك حق الناس في الاحتجاج. فهو ما كفلته لهم الدساتير التي من أول وظائف الدولة الحفاظ عليها. وفي العالم العربي “لا إحم ولا دستور” وإنما موازين قوة تستبيح الدولة الناس عندما تتمكن منهم ويستبيحونها عندما منها يتمكنون.

حتى لا تتضخم صفحات المذاكرة إلى الألف سنة الأخيرة من عمر البشرية، يكفي مذاكرة الأسبوع الأخير في مصر. وأحسب بأن من يذاكرها لن يمنع حفلا خيريا ولا اعتصاما ولا ندوة. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *