الرئيسية » المدونة » ماكرون أفضل.. من خرّب أوروبا؟

ماكرون أفضل.. من خرّب أوروبا؟

مثلما كان فوز بايدن أفضل من فوز ترامب لأميركا وللعالم ولمنطقتنا، فإن فوز ماكرون في فرنسا كذلك؛ فوصول المتطرّفة اليمينية مارين لوبان كان سيشكل كارثة لها ما بعدها. من السهل هجاء ماكرون وبالحق، لكن المعيار الأخلاقي المطلق لا يشتغل مع السياسة التي تعتمد المعيار النسبي، وهو على قول الفقهاء “أهون الشرّين وأخفّ الضررين”. وهذا لا يقلل من مخاطر الحضور القوي لليمين المتطرّف الشعوبي الذي يهدّد قيم الجمهورية الفرنسية بخاصة، والقيم الغربية الليبرالية بعامة.

لماذا وصلت أوروبا إلى هذا المنحدر، بحيث يستقر سياسيون متطرّفون في قلب العملية السياسية بعد أن كانوا على هامشها؟ لا تقتصر الإجابة على العوامل الاقتصادية التي أدّت، في القرن الماضي، إلى صعود النازية، دخلت عوامل لم تكن في القرن الماضي، وعلينا عربا ومسلمين أن نمتلك الجرأة لمحاسبة أنفسنا، وعدم الاكتفاء بتحميل الغرب مسؤولية الكراهية لنا، فموجة العنف والإرهاب باسم الإسلام وقضايانا العربية، من “القاعدة” إلى “داعش”، أشعرت الغربيين بالرعب. زرت باريس أول مرّة بدعوة من الخارجية الفرنسية عام 1996. وجدتها ملاذا للعرب الهاربين من ظلم بلدانهم وخصوصا الإسلاميين، هؤلاء الذين عملوا ودرسوا وأخذوا الجنسية، واندمجوا في الحياة الفرنسية، هم الأكثرية. مثلهم مثل رفاعة الطهطاوي عندما ألف كتابه “الذهب الإبريز في تلخيص باريز”، لكن ثمّة قلة تبنّت العنف والإرهاب خوّفت الفرنسيين، وجعلت اليمين المتطرّف ملاذا لهم.

عامل آخر لا يقل أهميةً ساهم في تخريب أوروبا، وهو الدعم الروسي لليمين المتطرّف باعتباره ذراعا ضاربا لبوتين، معتمدا على قوة المال وشبكات التواصل الاجتماعي ومنصّاته والنفوذ الاستخباري. ولذا كان التصويت للمرشّحة اليمينية لوبان تصويتا لبوتين الذي سبق له أن نجح في التدخل في الانتخابات الأميركية البعيدة. فكيف في أوروبا القريبة؟

أثبت تحقيق استقصائي نشره موقع New Lines، بالأدلة والوثائق، اعتماد حزب أوروبي رئيسي معروف بسياساته العنصرية والمعادية للأجانب على التمويل والدعم السياسي الاستراتيجي من وكيل رئيسي ومُتجوّل نفوذ للكرملين. تُظهر الشبكة التي كشفها التحقيق أنها متحالفة تمامًا مع مجموعة من السياسيين والنشطاء اليمينيين المتطرّفين في جميع أنحاء أوروبا.

بحسب التحقيق، سعت الأحزاب اليمينية المتطرّفة إلى الحصول على مشورة ممن وصفتهم بأنهم “أصدقاؤهم الروس” لعرقلة المقترحات المناهضة لروسيا في البرلمان الأوروبي. عمل Tsargrad أيضًا كوسيط بين الأحزاب والسياسيين الروس رفيعي المستوى.

إحدى الخطط التي أعدتها المنظمة في مارس/ آذار 2021 تتوخّى إنشاء شبكة تُعرف باسم “ألتينترن”، تقلد منظمة أيام الاتحاد السوفييتي كانت تهدف إلى تجنيد الأجانب برعاية البلشفية وإثارة الانقلابات في الخارج. ومن بين الذين كان من المقرر انضمامهم أنصار حركة الديمقراطية والهوية التي تشغل 64 من 705 مقاعد في البرلمان الأوروبي، وتتألف من أعضاء العصبة والتجمع الوطني، المعروف سابقًا باسم الجبهة الوطنية، وهو الحزب الرجعي والشوفيني الفرنسي، برئاسة مارين لوبان. “بدون مشاركتنا النشطة ودعمنا الملموس للأحزاب الأوروبية المحافظة، ستستمر شعبيتها وتأثيرها في أوروبا في التضاؤل”، .. جاء في وثيقة داخلية أعدّها ياكوشيف، وجرى تداولها بين ضباط بوتين.

تسعى الدعاية الروسية التي تقودها شبكات تواصل ومنظومة إعلام باللغات الإنكليزية والأوروبية إلى تقويض الديمقراطية الغربية، وإضعاف الوحدة الأوروبية والابتعاد عن حلف الناتو ونشر الفكر القومي المتطرّف وبث العنصرية لمواجهة الليبراليين والمهاجرين. وقد نجح بوتين في ضرب الثقة بالإعلام التقليدي لصالح منظومات الكذب والمعلومات المضلّلة المساندة له.

بالنتيجة، هزم بوتين في معركة الانتخابات الفرنسية، والمأمول أن يهزم عسكريا في أوكرانيا، والعالم بدونه سيكون أفضل. المهم أن نستفيد من هزيمته لصالح قضايانا، وقد اعترف ماكرون بأن من صوّتوا له ليس كلهم معه ومنهم من صوّتوا ضد اليمين. من مصلحتنا استعادة القيم الليبرالية في أوروبا. هذه القيم أفضل لقضايانا العادلة، وأفضل للبشر الموجودين في أوروبا، وخصوصا السوريين الذين قتلهم طيران بوتين، ولاحقهم إعلامه بعد قتلهم، معتبرا أن المجازر التي هربوا منها هي دعاية من منظمة الخوذ البيضاء.

دلالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *