الرئيسية » المدونة » مثل رحلة سفاري.. السيسي يستعرض وحشيته

مثل رحلة سفاري.. السيسي يستعرض وحشيته

ما كان ينقص القمة الأوروبية العربية بشار الأسد. بحضوره كان المشهد سيكتمل، خير شارح لنظريات عبد الفتاح السيسي في اختلاف النوع الإنساني “لكم إنسانيتكم ولنا إنسانيتنا”، فمن قتل نصف مليون وشرّد نصف شعبه وشن 300 هجوم كيماوي يؤمن بنظرية “الإنسان السيسي” المختلف عن الإنسان في أوروبا. أما الملك سلمان فبعد جريمة القتل الوحشي لجمال خاشقجي، والتسبّب في أكبر كارثةٍ إنسانية في اليمن، فإن بلاده أكملت أضلاع المثلث. وهي رائدة أيضا في نظريات “الخصوصيات” الثقافية وأنواع الإنسان.
ليس مستغرباً المشهد العربي، سواء في مصر أم في سورية أم في السعودية، فهم يتعاملون مع الشعوب باعتبارها خرافا للذبح، من دون أدنى تقدير لقيمة الحياة، وهم فعلا لا يعتبرون من يعارض إنسانا، ويسلبون عنه هذه الصفة، سواء كان معارضا في مصر أم سورية أم السعودية أم اليمن. المستغرب كيف يحضر القادة الأوروبيون. صحيح أنهم لم يعطوا الطغاة العرب ما يطلبون، وخرجت القمة بصورة مسخرةٍ يرد فيها رئيس المجلس الأوروبي على اتصال من زوجته.. لكنهم بحضورهم فقدوا الكثير من إنسانيتهم.
كأنهم في رحلة سفاري، يستمتعون بمشاهدة الحيوانات الضارية تفتك بغيرها، من المهم أن يشعر الضبع عندما يقتل تسعة فتيان كالورود أنه مقزّز ومنفر، ولا يستحق أن تشاهده. هذه وصمة عار لأوروبا، ومن حضر بحجّة حماية أوروبا يعلم تماما أن هذه الأنظمة الوحشية هي التي قذفت ملايين اللاجئين إليها، ينتظرها المزيد، هربا من القتل والجوع والفقر والبطالة. عندما تصف صحيفة رصينة، مثل الغارديان، المراهنة على الاستقرار الذي يجلبه السيسي بـ “الحماقة والخطأ”، فهي تعبّر عن مخاوف حقيقية تمس أوروبا، لا مجرّد تعاطف مع الضحايا في مصر.
توجد إنسانية واحدة.. هذه يعرفها السيسي بمعزل عن قدراته العقلية واطلاعه على العالم، وهو عندما يقول “عندكم إنسانيتكم وعندنا إنسانيتنا”، فهو يخفّف جريمته التي تنزع الإنسانية عن خصومه، وكأنه يقول عندنا “حيواناتنا”، تماما كما ينزعها عن نفسه وحشا بشريا مجرّدا من الإنسانية. وغير الإنساني أن تنتهي رحلة السفاري، ليس في التقاط الصور للحيوانات الضارية المتوحشة، بل في إضفاء الشرعية عليها، وهو ما حذّرت منه “الفايننشال تايمز”، أبرز الصحف الاقتصادية العالمية في تغطيتها للقمة “مخاوف في بروكسل من أن تضفي القمة، الشرعية، على الأنظمة الاستبدادية لأهداف سياسية”.
من المهم أن يُستفاد من القمة المسخرة في تذكير الأوروبيين بحجم “الحماقة” التي يمارسها كثيرون من ساستهم الذين تحوّلوا إلى مجرد تجار سلاح. للأسف، بريطانيا وفرنسا تنتهجان خط ترامب، وحوّلا بلديهما إلى مجرّد مندوب مبيعات أسلحة. المشجع هو الموقف الألماني الذي اتخذ موقفا أخلاقيا ضد بيع الأسلحة، وهو ما أضرّ بالصفقات الفرنسية والبريطانية التي تعتمد أجزاء تصنيع عندها على الصناعة الألمانية.
في النهاية، أوروبا ليست ماكرون وتيريزا ماي، تماما كما أن أميركا ليست ترامب. ثمّة صعودٌ لليمين، وثمّة تحلّل من الضوابط الأخلاقية، لكن ذلك لا يلغي إرث حقوق الإنسان المسنود بدساتير وقوانين ومحاكم وإعلام ومنظمات، ودور الضحايا أن يسمعوا صوتهم مدويا في الغرب، صوت الإنسان المستباح المستلب من إنسانيته، صوت لا يستجدي التعاطف بقدر ما يحاسب على جريمة التواطؤ والصمت. يحاسب من تصوّروا في رحلة السفاري مع الضبع الذي لا تتغير طبيعته.
لا شك في أن السيسي وصحبه كسبوا من رحلة السفاري، وهو مُقدِمٌ على مزيدٍ من الوحشية في التعامل مع خصومه. ينقل سياسي مصري عن قادة عسكريين سابقين توسطوا للفريق سامي عنان، المصاب بشلل لتردي حالته الصحية، أن يخرج لبيته، فردّ عليهم السيسي، أنه سيخرج من مستشفى السجن إلى القبر! طبعا الفريق عنان “إنسان” خدم بلاده، وكان السيسي يؤدي التحية قائدا عسكريا له. عندما يفكّر في الترشح ضد السيسي يفقد صفة “الإنسان”، ويبقى أسير سجنه وشلله إلى القبر.
لم تنته رحلة السفاري بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *