الرئيسية » المدونة » معارضة افتراضية لحكومة إلكترونية

معارضة افتراضية لحكومة إلكترونية

يستطيع القائمون على إضراب الرابع من آيار الافتراضي أن يؤرخوا لمرحلة لحقبة جديدة من تاريخ “المعارضة” الأردنية. انها حقبة المعارضة الافتراضية الإلكترونية. فللمرة الأولى لا يتقدم المضربون والمعتصمون والمتظاهرون إلى محافظ العاصمة بطلب ترخيص. ويعملون على رأسهم. وينتهي الإضراب المزعوم بتوقيف ثلاثة خرجوا عن النص الإلكتروني ووزعوا منشورات “ورقية” تدعو للإضراب. ولو لم يقم الثلاثة بتوزيع المنشورات (يقول القائمون على حركة اليسار الاجتماعي أنها أكثر من عشرين ألف منشور) لما أوقفهم أحد.

لا يدعي الموقوفون أنهم المبادرون إلى فكرة الإضراب، ولكنهم التقطوها وساروا بها. وتوقيفهم هو الذي أعطى حركتهم بعدا إعلاميا. مع أن الحركة لم تستطع إقامة فعالية جماهرية. لا يقلل ذلك من رمزية الحراك الذي حصل. فهو أولا، اعتراض مشروع على سياسات حكومية غير شعبية؛ فرفع الأسعار والسعي في بيع أصول الدولة لا يقبل أن يمر بدون معارضة أقله على التفاصيل والشكل أن لم يكن على المبدأ. ثانيا، العقلية السلطوية في منع أنشطة المعارضة  تفسح المجال لأفكار إبداعية.

فشل الإضراب، صحيح. وسارت الحياة بشكل طبيعي في الواقع، ولكنه نجح افتراضيا على الفيس بوك. تماما كشاب تواعد في الموقع ذاته مع هيفاء وهبة وتبادل معها المشاعر الوهمية الافتراضية. وإن كان موعد كهذا لم يسعد الفنانة ولم تدر به إلا أن الشاب قطع شوطا طويلا باتجاه تحقيق أحلامه! وبما أن المعارضة صورة للحكومة يمكن الآن فهم  الحكومة الإلكترونية ومشاريعها الافتراضية. فهي تحقق نوعا من الاكتفاء “الرقمي” وإن كان غير موجودا على الأرض.  

قد يربط المتفائلون بين الثقافة الافتراضية والتحديث. والواقع أن الصلة بينها وبين القديم أوثق. فالهروب من الواقع إلى الأساطير والسحر والشعوذة ثقافة قديمة لجأ إليها الإنسان عندما عجز الإنجاز الواقعي. والأصل في التحديث تحسين نوعية الحياة لا تراجعها. فالتطور الذي شهده الاقتصاد الرقمي لبى بالدرجة الأولى حاجات الإنسان الواقعية والحقيقية وقدم حلولا لمشاكله بطريقة أسرع وأفضل. واليوم وصل الأمر بالرئيس الجديد لمايكروسوفت الذي خلف بيل غيتس إلى أن يصف المرحلة الجديدة في عمر مايكروسوفت بأنها المرحلة التي يفهم فيها الحاسوب الإنسان لا المرحلة القديمة التي فهم فيها الإنسان الحاسوب.

أما عملاق المعرفة الرقمية بيل غيتس وأغنى رجل في العالم، فهو مشغول بمشاريعه الخيرية التي تهدف إلى معالجة أمراض الأطفال في أفريقيا. وهؤلاء الأطفال لا توزع عليهم أقراص مدمجة يبتلعونها بدلا من الدواء وإنما توزع عليهم حبات دواء حقيقي، لا افتراضي.

من يوصفون في بلادنا بأنهم “ديجتال” (رقميون) لا علاقة حقيقية لهم بالمعرفة الرقمية، أو الاقتصاد الرقمي، يستخدمون الأشكال التقنية الحديثة لتمرير سياساتهم وأجنداتهم. والبلاد بحاجة إلى مسؤولين حقيقيين ومعارضة حقيقية حتى تتمكن من حل المشاكل المزمنة اقتصاديا وسياسيا.

جميل أن يكون لدينا نشطاء على الشبكة العنكبوتية، يناكفون ويعارضون، والأجمل أن يكون على الأرض، في مجلس النواب وفي الشارع معارضة حقيقية. تخيل أن مجلس النواب سيعقد جلسة الخميس المقبل مع الحكومة لمناقشة بيع الأراضي! يعني بعد حوالي شهر من طرح الموضوع في الإعلام. وقد يفاجئنا نواب شبابيون واعدون بعمل مجموعة على الفيس بوك احتجاجا على تباطؤ الحكومة في إنجاز الصفقة العقارية الكبرى التي ستحل مشاكل الأجيال المقبلة.

بقيت طرفة أخيرة، عندما أبلغني ناهض حتر المرشد العام لحركة اليسار الاجتماعي باعتقال الثلاثة فوجئت أن أولهم علاء الفزاع كان قد شن حملة علي في الفيس بوك لأني منحاز ضد اليسار! وعزيت نفسي بأنها حملة إلكترونية ولم تصل إلى مستوى الحملات الحقيقية التي تعرض فيها زملاء إلى ضرب مشارط! ولتبق المعارضة إلكترونية أفضل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *