الرئيسية » المدونة » مفاوضات لبنانية إسرائيلية لترسيم الحدود: ثروات البحر أولاً

مفاوضات لبنانية إسرائيلية لترسيم الحدود: ثروات البحر أولاً

تحت رعاية الأمم المتحدة وبحضور الولايات المتحدة وسيطاً، تنطلق اليوم الأربعاء أولى جلسات التفاوض بين لبنان وإسرائيل حول الحدود البحرية، التي يصر الاحتلال على أنها أول مفاوضات مباشرة مع لبنان، فيما يحرص الأخير على حصرها بالجانب التقني والمحدد بترسيم الحدود البحرية. ومع اعتراف الإسرائيليين، على لسان وزير الطاقة يوفال شطاينتس، بأن التوقعات لا يجب أن تكون منفصلة عن الواقع، و”الحديث ليس عن مفاوضات للسلام والتطبيع، بل عن محاولة لحل نزاع فني واقتصادي”، إلا أنه لا يمكن استبعاد ممارسة الاحتلال ألاعيب خلال عملية التفاوض، كما درج في كل المباحثات السابقة التي أجراها منذ اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، خصوصاً أنه يعوّل على انحياز واشنطن الكامل له، وهي التي يُفترض أن تؤدي دور الوساطة، إضافة إلى رهانه على الأزمات الاقتصادية والسياسية والمالية التي يعاني منها لبنان وتجعله في “موقف ضعيف” لدفعه لتقديم تنازلات.

في المقابل، يصرّ الجانب اللبناني على أن تبقى المفاوضات تقنية ومحددة بمهمة واحدة هي ترسيم الحدود البحرية، على الرغم من حديث واشنطن سابقاً عن تطلعها لمحادثات أخرى في وقت لاحق حول الخلافات على الحدود البرية، في وقت استبق فيه “حزب الله” اجتماع اليوم بالتأكيد أن إطار التفاوض “لا علاقة له بسياسات المصالحة والتطبيع”.

وتستضيف الأمم المتحدة في مقر قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في الناقورة (جنوب لبنان) المفاوضات بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي. ويشارك مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر في الجلسة الافتتاحية التي ستكون بضيافة المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش، وبرعاية فريق المنسق الخاص للأمم المتحدة لشؤون لبنان، الذي سيقتصر دوره على الاستضافة والرعاية. أما السفير الأميركي جون ديروشر فسيكون الوسيط الأميركي في هذه المفاوضات. ويتركز الخلاف بخصوص الحدود البحرية بين الطرفين على المنطقة الاقتصادية المعروفة بـ”البلوك 9″ الذي تبلغ مساحته نحو 860 كيلومتراً مربعاً. وقال شطاينتس في حديث لصحيفة “يسرائيل هيوم” سابقاً إن الخلاف هو على 6 كيلومترات في ترسيم الحدود.

ويتألف الوفد اللبناني من العميد الركن الطيار بسام ياسين رئيساً، والأعضاء: العقيد الركن البحري مازن بصبوص، عضو هيئة إدارة قطاع البترول في لبنان وسام شباط، الخبير نجيب مسيحي. أما الوفد الإسرائيلي فيرأسه المدير العام لوزارة الطاقة أودي أدري، ويضم رئيس ديوان الوزير مور حالوتس، مستشار الوزير أفيف أياش، رئيس الدائرة السياسية في وزارة الخارجية ألون بار، وقائد “لواء الاستراتيجية” في هيئة أركان الجيش العميد أورن سيتر، ورؤبان عازار المستشار السياسي لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. ويُتوقع أن ينضم شطاينتس إلى جولات المفاوضات في المراحل اللاحقة.

عون: المفاوضات تقنية ومحددة بترسيم الحدود البحرية

وقبل يوم من الاجتماع، التقى الرئيس اللبناني ميشال عون أمس أعضاء الوفد اللبناني، مشدداً على أن هذه المفاوضات تقنية ومحددة بترسيم الحدود البحرية، وأن البحث يجب أن ينحصر في هذه المسألة تحديداً، لافتاً إلى أن جلسات التفاوض ترعاها وتستضيفها الأمم المتحدة، وأن وجود الجانب الأميركي في الاجتماعات هو كوسيط مسهّل لعملية التفاوض. وأوصى أعضاء الفريق بالتمسك بالحقوق اللبنانية المعترف بها دولياً والدفاع عنها، متمنياً لهم التوفيق في مهمتهم. وأمل أن يتم التوصل إلى حل منصف يحمي الحقوق السيادية للشعب اللبناني. وأعطى عون، استناداً إلى اتفاق الإطار الذي أعلن عنه رئيس البرلمان نبيه بري مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، توجيهاته للوفد التقني المكلف بالتفاوض حول ترسيم الحدود البحرية، على أنّ ترتكز مفاوضاته في الجولة الأولى اليوم على أساس الخط الذي ينطلق من نقطة رأس الناقورة براً كما نصت عليه اتفاقية “بوليه نيوكومب” عام 1923 والممتدّ بحراً استناداً إلى تقنية خط الوسط (من حق الدولة أن تطالب بأقصى ما ينصّ عليه الخط العائد لها تبعاً لقانون البحار، ولكن إذا حصل خلاف بين دولتين عندها يصار إلى اعتماد حل وسطي أي خط وسطي) من دون احتساب أي تأثير للجزر الساحلية التابعة لفلسطين المحتلة، وذلك وفقاً لدراسة أعدّتها قيادة الجيش اللبناني على أساس القانون الدولي.

وقبيل انطلاق المفاوضات، قال “حزب الله” إن إطار التفاوض “لا علاقة له بسياسات المصالحة والتطبيع”. وأضاف في بيان صدر عن كتلته النيابية (الوفاء للمقاومة) قبل أيام أن “الإطار التفاوضي حول موضوع حصري يتصل بحدودنا البحرية الجنوبية واستعادة أرضنا وصولاً إلى ترسيم مواقع سيادتنا الوطنية، لا صلة له على الإطلاق بسياق المصالحة مع العدو الصهيوني الغاصب لفلسطين”. وكانت قناة “المنار” التابعة للحزب، قد ركّزت في مقدمة نشرة إخبارية قبل بضعة أيام على عبارة “لاءات ثلاث محمية بمعادلة ثلاثية، لا تفاوض مباشراً كما كان يريد الصهاينة، أي لا تفاوض دبلوماسياً وإنما بالبزة العسكرية وعبر وسيط وفي مقر الأمم المتحدة، ما يؤكد حال العداء مع الكيان الصهيوني. لا فصل بين البر والبحر كما كان يرجو العدو وإنما تلازم بين المسارين. لا تنازل عن نقطة ماء ولا حبة تراب كما هي القاعدة الحاكمة على الدوام”.تقارير عربية

لا تغيير في وفد لبنان المشارك بمفاوضات ترسيم الحدود مع إسرائيل

على المقلب الآخر، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية، بينها موقع “والاه”، عن مسؤولين في وزارة الطاقة الإسرائيلية، قولهم إنه “إذا وصل ممثلو لبنان للتفاوض حول الحدود البحرية بنهج إيجابي وعملي، فسيكون من الممكن المضي قدماً بسرعة، والتوصل إلى اتفاق في غضون أسابيع أو أشهر”. وقال المسؤولون “هدفنا هو حل الخلاف حول ترسيم حدود المياه الاقتصادية بين الدول، هذه ليست عملية سلام، هذا ليس تطبيعاً”. وأضافوا “هدف المفاوضات محدد، وهو حل نزاع فني واقتصادي طفيف، يمنع تنمية موارد الغاز والنفط في شرق البحر المتوسط”. وفي السياق، قال وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شطاينتس إن التوقعات بشأن الاجتماع ينبغي ألا تكون منفصلة عن الواقع. وكتب على “تويتر”: “لا نتحدث عن مفاوضات للسلام والتطبيع، بل عن محاولة لحل نزاع فني واقتصادي يعطل تنمية الموارد الطبيعية البحرية منذ عشر سنوات”. على الرغم من ذلك، كان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو قد قال قبل أيام إن واشنطن تتطلع إلى محادثات أخرى في وقت لاحق حول الخلافات على الحدود البرية.

شطاينتس: لا نتحدث عن مفاوضات سلام بل محاولة لحل نزاع فني  

وعن هذه المفاوضات، توقع الباحث اللبناني في قضايا المياه والحدود عصام خليفة، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن تطول المفاوضات ونتائجها، نظراً لصعوبتها وقساوتها في ظل الصراع الموجود، والتباين في منظور المفاوضات بحراً وبراً، ولن يكون هناك أي مردود سريع يمكن لمسه إلا بعد سنوات. واعتبر أن “ما يحصل اليوم، لا يُمكن على الإطلاق وضعه في دائرة التطبيع، بل مفاوضات غير مباشرة، لتثبيت ترسيم البر اللبناني بهدف انسحاب إسرائيل من أرضنا والبحر، بغية استغلال ثروتنا النفطية”. ولفت إلى أنّ لبنان يرتكز في مفاوضاته على كل الوثائق والاتفاقيات ذات الصلة: قرار غورو رقم 318، اتفاق باريس 23 ديسمبر/ كانون الأول 1920، اتفاق بوليه نيوكومب مارس/ آذار 1923، محضر عصبة الأمم التي كرست هذا الترسيم حدوداً دولية، اتفاقية الهدنة مارس/ آذار 1949، ولا سيما المادة الخامسة منها، ترسيم الحدود الذي حصل بين 5 و15 ديسمبر/ كانون الأول 1949، الذي أحيا نقاط “بوليه نيوكومب” الأساسية ووضع نقاطاً ثانوياً، إضافة إلى قراري مجلس الأمن 425، 1701، وغيرهما، إلى جانب الاتفاق اللبناني السوري حول ترسيم الحدود في مزارع شبعا الموقع عام 1946 مع الخريطة الملحقة به. في حين أنّ إسرائيل “ربما تنطلق من الخط الأزرق، الذي لا نعتبره بمثابة خط حدود دولية، وهي تحتل مناطق في 13 نقطة في الخط الحدودي، ومناطق في حرمون عبر مزارع شبعا، والنخيلة، وتلال كفرشوبا، وقرية الغجر، وهي حدود لبنان مع سورية”، وفق خليفة.

لبنان مع تطبيق ما ينص عليه القانون الدولي للبحار، بعكس إسرائيل التي لم توقّع عليه

وفي مجال الحدود البحرية، أشار خليفة إلى أن لبنان مع تطبيق ما ينص عليه القانون الدولي للبحار، بعكس إسرائيل التي لم توقّع عليه، ومن وجهة نظر لبنان ينطلق الخطّ من رأس الناقورة، أي من طرف خط الحدود الدولية، بينما إسرائيل نقلت هذه النقطة شمالاً على بعد 30 متراً، ما يؤثر على المساحة البحرية للمنطقة الاقتصادية الخالصة، وبالتالي فإن إسرائيل تعتدي على المنطقة الاقتصادية اللبنانية بمساحة تزيد عن 1700 كيلومتر مربع. وأضاف “هذه كلها نقاط خلافية جوهرية وجذرية”. وبالنسبة إلى مزارع شبعا والنخيلة، قال خليفة إنها “ربما تكون في صلب التفاوض، فهي تعدّ أراضي لبنانية منذ عام 1920”.

من جهته، قال الخبير النفطي، ربيع ياغي، لـ”العربي الجديد”، إنّ “إسرائيل بحاجة إلى ترسيم الحدود لأسباب عدّة، منها أن لديها أنشطة وإنشاءات نفطية في المنطقة المتاخمة لجنوب لبنان أو شمال فلسطين والمتاخمة للحدود اللبنانية البحرية، بمليارات الدولارات، والإنتاج التجاري سيبدأ في إسرائيل من حقل كاريش وتانين في منطقة تبعد 4 كيلومترات عن حدودنا، وذلك في الفصل الأول من عام 2021 وهي بالتالي بحاجة إلى حدود معترف فيها ومرسَّمة”. وعلى الصعيد اللبناني، رأى ياغي أن من مصلحة لبنان ممارسة سيادته على حدوده الجنوبية وإطلاق عمليات الحفر والاستكشاف والتنقيب، والتي لغاية اليوم لم تنطلق على الرغم من وعود شركة “توتال” الفرنسية المتعاقد معها، في البلوك رقم 9، منذ 2019، وذلك نتيجة الضغط الإسرائيلي وأسباب أخرى منها مرتبط بفيروس كورونا الذي أرجأ الأنشطة النفطية بالنسبة إلى “توتال”.

وأشار إلى أنّ مفاوضات لبنان ستكون حتماً عسيرة وصعبة، وتتطلب كفاءة من المفاوضين، خصوصاً العسكريين والأمنيين. وشرح أن “لبنان باشر عام 2006 مفاوضات بناءً لطلب قبرص بترسيم الحدود البحرية بيننا وبينها، حينها أرسل لبنان وفداً من وزارة الأشغال (يومها كان محمد الصفدي وزيراً للأشغال في حكومة فؤاد السنيورة) لا يملك الخبرة بترسيم الحدود أو القضايا القانونية التي ترتبط بترسيم حدود دولية بشكلٍ خاص، فحدث أن تراجع الوفد اللبناني عن نقاط البداية والنهاية التي تُضم في المنطقة الاقتصادية الخالصة، والفاصلة بين لبنان وقبرص شمالاً وجنوباً”، مضيفاً “نقطة البداية يجب أن تكون 23 جنوباً للخط والتي تجمع المياه القبرصية واللبنانية والإسرائيلية، وشمالاً النقطة 7 التي تجمع المنطقة الاقتصادية الخالصة السورية والقبرصية واللبنانية، لكن الوفد اللبناني بناءً على تمنٍ أو إقناع القبرصيين له، تراجع من ناحية الجنوب إلى النقطة واحد، أي بمسافة 10 أميال بحرية (نحو 17 كيلومتراً ونصف)، وشمالاً من النقطة 7 إلى 6، أي بحدود 6 أميال بحرية”.

وأشار ياغي إلى أن “التراجع لم يكون مسموحاً به ولا نفهم لماذا حصل أصلاً، وبوعد من قبرص عند التفاوض مع إسرائيل (تم عام 2010 وتوقيع الاتفاق بين إسرائيل وقبرص) أن تتراجع 10 أميال بحرية من ناحيتها لخلق ما يُسمّى ممراً مائياً لمرور السفن، لكن إسرائيل وبدل التراجع، بحسب وعد القبارصة، اعتبرت النقطة التي تراجع عنها لبنان من 23 إلى 1 هي بداية الخط الفاصل بينها وبين قبرص والذي ينطلق من الرقم 1، وبهذه الطريقة حاولت وضع اليد على منطقة بـ862 كيلومتراً مربعاً، ومن حينها بدأ الخلاف ومحاولات لبنان الحثيثة لاستعادة سيادته على هذه المنطقة المقرصنة من قبل العدو الإسرائيلي، علماً أن لبنان لم يبرم الاتفاق مع قبرص، وبالتالي يُعتبر لاغياً”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *