مقالات

مقال معاد عن التعذيب

ٍ

أكاد أعيد مقالاتي عن التعذيب في الأردن، مع تغيير بسيط في اسم الضحية، ومكان الاعتقال، والجهة الأمنية. وأكثر شيء يعجبني بالمقال المعاد قولي: لا يوجد “تعذيب منهجي”! وأن التغاضي عن الأخطاء وعدم المحاسبة سيجعله منهجيا. وقد يكون في قصة الحدث ليث القلالوة (16 سنة) إنذار أخير بأننا سننتقل  إلى مرحلة المنهجية والحرفية في التعذيب.
لا معنى لقانون انتخاب ومجلس نواب إن كانت ثمة جهة فوق القانون. سنعتبر أقوال الحدث ادعاءات حتى يصدر قرار لجنة تحقيق نعلم جيدا أنه لم يصدر في قضايا مشابهة. السؤال: لو كان الطرف المعتدي معلما، هل سنشهد هذا التغاضي والتواطؤ؟ هل يقبل القول بأن محاسبة معلم سادي هي إساءة لمؤسسة التربية والتعليم التي بنت البلد؟ لماذا يحاسب المعلم، وهو يتعامل بظروف لا تقل صعوبة عن ظروف الدرك، ويحصن رجل الأمن في أي جهاز كان؟
توجد لدينا قرارات محكمة تمييز تثبت واقعة التعذيب في قضية جامعة مؤتة العام 1993؛ المتهمون وقتها حوسبوا والمدان كوفئ. وفي أحداث معان، والرمثا، والسلط، على اختلاف الجهات الأمنية، لم نسمع  عن محاسبة إن تمت، والأصل في العقوبة الإشهار حتى تتحقق العبرة. لقد توفي في معان حدث، وبعدها بسنوات رب أسرة، في غضون العقد الماضي نتيجة التعذيب، وقتل آخر في مداهمة بالرصاص أمام أطفاله. أنبئونا متى تكون المحاسبة؟
إننا نحتاج إلى جهد مدني منظم لكل ضحايا التعذيب، يطالب بالمحاسبة في ظل سيادة القانون؛ فتلك الجرائم لا تسقط بالتقادم، ومن يحب وطنه لا يتستر على خطأ، ولكنه يتسامح ويغفر عندما يمكّن من حقه.
من يزاودون على الأمن وظروف عملهم، نذكرهم بقصة سجن “أبو غريب”. لم يكن الجنود الأميركيون في نزهة يتعاملون مع أشخاص مسالمين، كانوا قد هجروا أهلهم وأجمل مدن الدنيا لمقاتلة عدو شرس يقنصهم ويفجر دباباتهم ويقتحم مقراتهم وقوافلهم بالسيارات الانتحارية. كانت بلدهم قد فقدت آلاف القتلى. والذي فضحهم ليس إعلام العدو، فضحهم تلفزيون بلدهم “سي. بي. أس”، وحوسبوا ولم يقل أحد في أميركا تغاضوا عنهم لأنهم يقاتلون العدو.
لسنا في حرب ولا أبو غريب عندنا، ومع ذلك يقدسون الأمن ويعطونه حصانة مطلقة لا ينص عليها دستور ولا قانون، مع أن تلك السلوكيات تهدد الأمن ولا تحققه.
هل يقود الفتى مؤامرة على أمن البلد؟ حاكموه وقدموا أدلتكم، وسنطالب برد الاعتبار وتكريم قوة الدرك التي نقلته إلى المستشفى بعد أن تشاجر مع أصدقاء! بحسب رواية أمنية صدقها المواطنون. الصحفيون يتذكرون أنه في ساحة النخيل ضرب 16 منهم بلا ذنب، وسمعوا وقتها عن تحقيق ومحاسبة، وما يزالون ينتظرون. وأنا أنتظر قبل ذلك نتائج التحقيق في الاعتداء عليّ في أحداث الرابية.
في قانون الأحداث الذي على كل الأجهزة الأمنية تطبيقه، يجب أن يحضر ولي أمر الحدث التحقيق والاعتقال، لا أن يبحث عنه ويجده قد أدخل باسم آخر إلى المستشفى. وهذه أيضا جريمة تزوير لا بد أن يحاسب مرتكبها. باختصار، نريد كما قال جلالة الملك في مقابلته مع التلفزيون الأردني “سيادة القانون”، لا سيادة أي سلطة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *