الرئيسية » المدونة » من “البُردة” إلى “البشت” في أعظم مونديال

من “البُردة” إلى “البشت” في أعظم مونديال

نحتاج لدراسات مسحية ومعمقة لفهم مرحلة ما بعد مونديال قطر. الذي وصفته السي أن أن ب ” أعظم ” مونديال، وهو نفس الوصف الذي أطلقته عليه صحيفة الواشنطن بوست وغيرها من وسائل إعلام عالمية. تلك العظمة أفقدت كثيرا من الإعلاميين عقلهم، أو كشفت جهلهم كما بدا في حكاية  ” البشت” ( البُردة بحسب الفصيح التاريخي) الذي ألبسه أمير قطر للاعب الأرجنتيني مسّي . فتلك الغلالة الشفافة شكلت ستارة  تليق بختام الفصل الأخير من مونديال ملحمي لن يتوقف الحديث عنه عقب انتهائه.

ولعل من أسباب إنه ” أعظم” مونديال هي إنه منذ اللحظة التي الأولى إلى التتويج وضع تحت المجهر، وبدت التفاصيل فيه أضخم من حجمها الطبيعي. وهذه النظرة ” المكبرة” جزء منها يعود للنظرة الغربية الاستشراقية لما خص العرب والمسلمين والشرق عموما بقدر ما يعود لبلد بحجم قطر التي لا يقبل منه  أن ينافس الكبار في المساحة والسكان، على رغم حجمها الاقتصادي، وتعبيرها عن أمة لها حضورها التاريخي والحضاري والواقعي.

   في لحظة الختام تجلّى ذلك كله خلف غلالة البردة التي كشفت حجم الجهل المركب لدى الإعلام الغربي. وهو ما ذكرنا بمقولة الفيلسوف العربي الجاحظ قبل أكثر من ألف عام ” من جهل شيئا عاداه ” لا نتحدث عن مؤثرين متناثرين من العامة والجهلة  بقدر ما نتحدث عن صحافة وازنة يقودها متعلمون. نظلم الاستشراق عندما نصف نظرة الإعلام الغربي بالاستشراقية. المستشرقون كانوا علماء درسوا بعمق ثقافتنا وحققوا مخطوطاتنا بقدر ما حاولوا رؤيتنا وفق خيالهم. النظرة الاستشراقية في مونديال قطر عبرت عن  خيال مريض وجهل فاضح. ففي الثقافة العربية الاسلامية لا تكريم أكبر من أن تخلع بردتك، عباءتك، بشتك، على ضيفك وعلى  من تكرمه.

   ولعل من أشهر القصص التاريخية للتكريم من خلال البردة، العباءة، البشت هي تكريم النبي عليه الصلاة والسلام لكعب بن زهير عندما ألقى أمامه قصيدة ” بانت سعاد “، من المهم أن يفهم الجهلة إن أمير قطر كرّم بطل كرة القدم مسّي عندما خلع عليه البردة (البشت حسب التسمية الدارجة). وهو بذلك يعبر عن عمق حضاري يشمل أمة العرب والاسلام، والذين يزيد تعدادهم علي المليار بعمق حضاري يتجاوز 14 قرنا.

      من المهم للجهلة أن يعرفوا إن النبي العربي كرّم ببردته شاعرا، على قصيدة غزليه، وهي تقدير للشعر أرقى درجات الفن،  وإن تكريم مسّي بعد 14 قرنا بنفس الطريقة يعكس عمقا حضاريا لا يعرفه الجهلة والسطحيون والمتعصبون.  وقد شكل كأس العالم فرصة لتعريف الجهلة وخصوصا في أوساط الإعلاميين والسياسيين والمؤثرين بثقافتنا وقيمنا، ولذلك تباهى قوم مسّي بلبس البشت وأقبلوا علي شرائه والتجوال به في قطر.

 ما أغاظ المتعصبين إن البُردة لم تكن الملمح العربي للبطولة، فالتعويذة من خلال ” لعيب ” وعقاله، والشال القطري أشعلت نار غضبهم من قبل. وفي الأثناء أعلام فلسطين وتوحد العرب وراء منتخباتهم. ذلك وغيره زاد من قيمة المونديال ولم يقلل منه. ولو أن قطر نافقت الغرب وتخلت عن هويتها وقيمها لخسرت مرتين، أمتها التي تنكرت لها والغرب الذي لا يقبلها. كتب الكثير عن نجاح المونديال، ، وبحسب اختصار السي أن أن ” كان الأمر كما بدا أن العالم يستقر في محاولة لتلخيص كل شيء – ببساطة أعظم نهائي على الإطلاق. “أفضل نهائي لكأس العالم على الإطلاق” ، غرد يوسين بولت بجانب صوره وهو يرتدي قميص الأرجنتين في استاد لوسيل. “نحن متحمسون هنا. لقد كانت مجرد مباراة نهائية لا تصدق. كان من دواعي سروري أن أكون هنا. لم أر شيئًا كهذا أبدًا ولا أعتقد أنني سأرى شيئًا كهذا مرة أخرى. لقد كان مذهلاً ، قال لاعب منتخب إنجلترا السابق آلان شيرر لبي بي سي.

 مجلة نيويوركر الأميركية   الليبرالية   التي نكلت باستضافة قطر استسلمت في النهاية وكتبت ” كانت هذه أفضل نهائيات لكأس العالم على الإطلاق ” .

  في كأس العالم المقبل ستكون المقارنة في صالح قطر، سيتذكر العالم إن الأميركان أقاموا جدارا بينهم وبين المكسيك، وقتل مهاجرين حاولوا عبور الجدار. العمال الذين بنوا الملاعب لن يحضروا المبارايات. لن يتمكن أحد من حضور مباراتين في في نفس اليوم، والمؤكد إن الفائز لن تُسبغ عليه بردة، فتلك صارت مثل مسّي لن تتكرر. ومثل مونديال قطر، مونديال العرب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *