الرئيسية » المدونة » من بلاط الشاه إلى سجون الثورة

من بلاط الشاه إلى سجون الثورة

تذهل وأنت تقرأ في كتاب المفكر الإيراني إحسان نراغي “من بلاط الشاه إلى سجون الثورة” من غياب الخبرة الإنسانية في الشرق. فالتعساء لا يتعظون إلا بأنفسهم، ولا يستفيدون من خبرات غيرهم، ويكررون الأخطاء نفسها، ويدفعون أثمانا أغلى. في الكتاب إشراقات فيلسوف منتم إلى حضارة الإسلام والفرس، ومتصالح مع الثقافة الغربية. وعمقه الثقافي والفكري لا يقلل من انخراطه في اليومي السياسي. وتوغله في عالم الشاه الإمبراطوري لا يبعده عن عالم الخميني الثوري. ببساطة، هو جواب على سؤال محمد أركون في المقدمة العربية: “هل يمكن إيجاد مثقف مسلم؟”. نعم.
إنه مثقف حقيقي، دفع ثمن مواقفه في الدولة والثورة واحتفظ باستقلاله، وحاكم الخميني والشاه بإنصاف وأخلاقية عالية، وقدم لنا دليل عمل للإصلاح. لكن على ما يبدو فإن السلطات لا تقرأ، إلا بعد فوات الأوان. فبقدر ما يظهر في الكتاب فساد الشاه واستبداده، تتجسد شخصية مثقفة حساسة تنشد التحديث والإصلاح. والحوار بين الشاه والمثقف يشبه إلى درجة كبيرة الحوارات التي تضج بها التلفزيونات والصحف منذ انطلاق شرارة الربيع العربي.
الشاه الذي ارتبط بالغرب وجدانيا وثقافيا، وكان أداته الضاربة في المنطقة، والمتحالف عضويا مع أميركا وإسرائيل، يعتبر الثورة مؤامرة من الغرب عليه، وكما يقال اليوم عن تحالف إخواني غربي يستبق الشاه ذلك بعقود من السنين. وفي سؤال محير، يستغرب الشاه كيف يقف مفكر يساري مثل جون بول سارتر مع المعتقلين الإسلاميين. فيجيبه نراغي إجابة صادمة. فقد سأل سارتر هذا السؤال وأجاب: “يجب أن تقول له إن الاهتمام بالسجناء الذين يعذبون يجب أن يشكل الاهتمام الأولي للفيلسوف”. يرد الشاه: وهل لسارتر نفس الموقف من سجناء الأنظمة الشيوعية؟ فيؤكد له أنه أول من اعترض على المصير الظالم الذي يتعرض له الشعبان الفيتنامي والكمبودي!
في حواراته حافظ المثقف على أدبه ولياقته بدون أن يمسا شجاعته وجرأته؛ يناقش الشاه في أخطر القضايا وأكثرها حساسية، من العلاقة مع إسرائيل إلى ثرواته وثروات العائلة المالكة. وفي الغضون، تظهر شخصيات ظلمها الإعلام. فهويدا وزير البلاط  الذي أعدمه الخميني كان بيروقراطيا محترما، ونال كراهية العائلة المالكة بسبب رفضه لفسادها وإسرافها ونشاطها التجاري. يدافع الشاه عن ثروته بأنها موروثة، وأنها مسخرة لغايات تنموية. يفند المثقف بلياقة ذلك، ويطالبه بأن تكون تلك الثروة تحت تصرف الدولة وفي خدمة المجتمع.
الأكثر إثارة في الحوارات هو تساؤلات الشاه عن العلاقة بين فرنسا بلد العلمانية والخميني داعية الدولة الدينية. واستغرابه كيف يقف مثقفون يساريون مع الثورة، وكذلك رجال أعمال، مع أن مصالحهم مع الشاه. يحاول المثقف الخبير بالغرب أن يبسّط للشاه تعقيدات السياسة الفرنسية، وكيف أن الإعلام مستقل عن الحكومة، وأن السياسيين يخشون الرأي العام، وأن رجال الأعمال يدركون أن النظام سيتغير ويرتبون أوضاعهم مع البديل.
الحوارات الحارة العميقة الشيقة أستبعد أن تكون قد حدثت في قصور الربيع العربي، لكن حصل ما يشبهها. وقد شهدنا زين العابدين ومبارك والقذافي وبشار وصالح يستغربون من المؤامرة الغربية عليهم، ويحذرون من مخاطر “الإخونجية”. للأسف، كان الشاه أكثر من طغاتنا ثقافة وحداثة ورغبة في الإصلاح، ومع ذلك لم يصمد أمام شعبه.
في الكتاب طوق نجاة لمن رغب؛ فمقدمته كتبها فريدرك مايور، الفيلسوف الإسباني المقرب من القصر الملكي. وفي إسبانيا نموذج للإصلاح الذي أخرج إسبانيا من أتون حرب أهلية وفقر وتخلف إلى مصاف الدول الأولى في العالم، وحدث هذا قبل أربع سنوات من الثورة الإيرانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *