الرئيسية » المدونة » نداء من القلب.. حتى لا نغرق في الفوضى والبلادة

نداء من القلب.. حتى لا نغرق في الفوضى والبلادة

إنها خطة حبيب العادلي التي انكشفت عقب نجاح الثورة؛ إغراق مصر في الفوضى حتى يكون جمال مبارك حلا وحيدا. لم تنجح الخطة، لكنها خطة قابلة للتكرار في أي بلد. تريدون الحرية؟.. خذوا الفوضى. وساعتها يكون الاستبداد مطلبا شعبيا.
كنت سأكتب النداء إلى الحركة الإسلامية، أو ليث شبيلات، أو حراكات المناطق في الطفيلة وجرش ومعان والكرك.. في الجنوب والشمال.. أو شباب 24 آذار، أو النقابيين، أو إلى  رئيس الحكومة أو رئيس مجلس النواب أو مدير المخابرات أو مدير الأمن العام. أو حتى البلطجية. أكتب لكم جميعا من دون تحديد. وسأفترض حسن النية في الجميع. حتى البلطجي الذي ضربني في ساحة النخيل أفترض أنه قام بذلك حرصا على وطنه.
أكتب وكتابي بيميني منذ عملت في السياسة والصحافة. لم أكن يوما إلا مع الناس بمعزل عن جذورهم وأصولهم واتجاهاتهم. فزعت لكل داع، ووقفت مع كل مظلمة ومطلب. في حراك المعلمين جلت الكرك وجرش، وفي تحرك القضاة وصلت الكرك، وفي إضراب عمال الميناء وصلنا العقبة. ولم أغب عن إربد والسلط والبوادي والرمثا، ومخيمات الوحدات والبقعة وغزة. أما معان، فتلك جزء من ذاتي ولا تدخل في حسابات السياسة والصحافة.
لا أمنّ بما قدمت على أحد، فذلك الواجب المهني والأخلاقي. ولكن في ظل مزايدات من اكتشفوا شجاعتهم بعد الربيع العربي، علينا أن نتذكر ماذا كانوا يفعلون من قبل، وأين تضحياتهم؟ في تونس أكثر من عشرين ألف سجين سياسي ذاقوا ويلات التعذيب والقتل والعزل الانفرادي، أين هم في الأردن؟ المعتقلون عندنا في العقد الأخير هم السلفية الجهادية وحزب التحرير، وهؤلاء غير معنيين بالإصلاح السياسي، وهدفهم هو دولة الشريعة والخلافة الراشدة، ويعتبرون الديمقراطية دينا غير دين الإسلام. غيرهم لم يعتقل بقرار محكمة غير توجان فيصل، وعلي أبو سكر ومحمد أبو فارس وإبراهيم المشوخي، وتعرض ليث شبيلات وعلي العتوم للضرب البلطجي من دون توجيه تهمة. التوقيف لأيام أو ساعات شمل عددا أوسع قليلا، وكنت بلا منة واحدا ممن اعتقلوا على خلفية أحداث معان مرتين.
في ظل هذا الحجم المتواضع من “التضحيات”، انخرط الأردنيون في الربيع العربي، وأضافوا تضحيات بلغت ذروتها في قمع نشطاء 24 آذار في دوار الداخلية. وهي، بحمد الله، ظلت بعيدا عن الوقوع في مستنقع الدم، وإن أدخلت مفردة البلطجة في قاموسنا السياسي.
حسنا، ماذا بعد؟ وإلى أين نريد أن نصل؟ ثمة إجماع على أننا نريد الإصلاح ولا نريد الثورة على النظام. وهنا لا نتحدث عن منتصر ومهزوم، نتحدث عن صفقة رابحة للطرفين، الدولة والمجتمع، أي استعادة لحظة العام 1989، بحيث يكون الربيع العربي نعمة علينا لا نقمة.
أزعم أننا نتجه في الاتجاه الصحيح. ثمة إصغاء لكل الأصوات في المجتمع. رئيس الوزراء قابل كل من استطاع مقابلته، لكنه يعمل وفق آليات بالية موروثة. وحتى يتمكن من التعامل مع آليات حديثة يحتاج لوقت. الآليات القديمة متجذرة، والآليات الحديثة غير موجودة بعد. وعون الخصاونة هو من القديم القابل للتجديد، ولا شك أن وجوده في مقر محكمة العدل الدولية طيلة هذه المدة، جعله يعايش أكثر الأنظمة ديمقراطية في العالم في هولندا، وأردأ الأنظمة الخارجة على الشرعية والمتورطة في جرائم ضد الإنسانية.
رئيس الديوان الملكي في عهد الملك الحسين، والقاضي في محكمة العدل الدولية، لم يبهر المواطنين، وأي شخصية أخرى لن تبهر. وحرص أن لا يغامر بوجوه جديدة. انتهى عصر الإبهار، نحن بحاجة لرئيس حكومة نظيف أولا، ومستعد لقيادة مرحلة انتقالية. وهو بحاجة إلى فرصة حقيقية.
لا يمر يوم من دون أن تتصل معي مجموعة تنظم إضرابا أو اعتصاما، ولا تفتح الصحيفة إلا وتجد فيها عناوين اعتصامات وإضرابات، من سائقي شاحنات إلى عاملين في شركة دواجن مرورا بطالبات مدرسة. ولو أن رئيس الوزراء ومعه وزير الداخلية ومدير المخابرات وغيرهم تفرغوا لتنفيذ طلبات المحتجين لما تمكنوا. المشاكل تتفاقم عندما يصبح الاعتصام والإضراب جزءا من الروتين، وتصبح قيمته مساوية لاستدعاء يقدم لمتصرف، أو أن يكون حلقة في مسلسل فوضى يشل الدولة والمجتمع.
نستطيع الوصول إلى كلمة سواء. ليس المطلوب رشوة الحركة الإسلامية أو رشوة المحافظات، بل إعادة الحياة إلى العملية السياسية، بحيث يكون الشعب ممثلا تمثيلا حقيقيا في مجلس النواب الذي ينوب عنه في التعبير عن مصالحه، تنفيذا وتشريعا ورقابة؛ أي حكومة يجب أن تنال ثقة أكثرية الناس، وتظل خاضعة للرقابة. والتشريعات هي التي تحل المشاكل وليس الاستدعاءات. على المواطن أن يعي أن التشريع هو ما ينظم حقوق العامل في شركة دواجن، وحقوق سائق الشاحنة، ويمنع استغلال صاحب العمل ويمنع الاحتكار. وهذه هي وظيفة مجلس النواب، لا استجداء خدمات من مسؤول من المفترض أن يكون خاضعا لسلطة النواب.
لن نتفق ولن نجمع على أي قانون انتخابات. شخصيا، وهذا رأيي منذ خمسة عشر عاما، القانون الدستوري الوحيد هو قانون انتخابات 1989، وهو القانون الذي أنتج المجالس النيابية منذ تأسيس المملكة، ومن رحمه ولد الدستور. ويظل على سلبياته أفضل الموجود. والأهم منه هو الهيئة المستقلة للانتخابات التي ستعيد الثقة إلى العملية الانتخابية. فإن جرت انتخابات على أساسه أو على أساس قانون الانتخابات المختلط، وبنزاهة، ستكون الحكومة المقبلة حكومة نيابية دستورية تعبر عن مصالح الناس وترعاها لا عن مصالح فئات معزولة.
لنعطِ الحكومة فرصة لقيادة مرحلة انتقالية تقودنا إلى مرحلة دائمة يعود فيها الشعب، فعلا لا قولا، مصدرا للسلطات. لنهدأ قليلا ففي الصخب تصم الآذان ولا تسمع. وإعطاء الفرصة لا يعني إلغاء الحراكات والمعارضة بل على العكس، ستظل عينا مفتوحة على الحكومة ومجلس النواب. ولنحرص على ألا نصل مرحلة الفوضى، أو اللاأبالية والبلادة وعدم الاكتراث.

yaser.hilila@alghad.jo

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *