الرئيسية » المدونة » هل من حوار عراقي على وقع التصعيد؟

هل من حوار عراقي على وقع التصعيد؟

ما يشهده العراق اليوم من صراع إيراني عراقي ليس بين قوات احتلال إيرانية وعراقيين، هو مع كتلة عراقية تؤمن بوحدة الأمة الإسلامية، بقيادة قائد الأمة الولي الفقيه وتعطيه البيعة والولاء، وترى في العراق جزءاً من أرض الإسلام، وليس وطناً نهائياً. تماماً كما آمن الشيوعي يوماً بوحدة الطبقة العاملة، وأعطى ولاءه للمكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي، وكحزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان فيه (نظرياً) صدّام حسين وحافظ الأسد تحت قيادة الأمين العام (الأردني) منيف الرزاز. وعلى النظرية نفسها، العابرة لحدود الدولة الوطنية، تشاهد في مكاتب المسؤولين الأكراد رسم خريطة كردستان الكبرى، الممتدة في إيران وتركيا وسورية، وتجد عناصر حزب العمال الكردستاني يقاتلون على امتداد تلك المساحة، ولا يعترفون بحدود الدولة الوطنية، وعلم كردستان الحالي هو علم جمهورية مهاباد التي دامت أشهراً في إيران، وكان الملا مصطفى البرزاني وزير دفاعها.


ويبقى نموذج تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الأكثر فجاجة في التعبير عن رفض الانتماء الوطني، فأرض الخلافة تتساوى فيها أفغانستان مع ليبيا، وما الكوكب الذي نعيش فيه غير ولاياتٍ تعطي بيعتها للخليفة الذي يملأها عدلاً بعد أن ملئت جوراً. وعندما أعلنت “دولة العراق الإسلامية” بايعت تنظيم القاعدة الموجود في مجاهل أفغانستان، قبل أن تنفصل عنه وتطالب حركة طالبان ببيعة الخليفة البغدادي.


من السهل وصف كل من لا يؤمنون بحدود الدولة الوطنية بالخيانة والعمالة والإرهاب، وقتالهم واجتثاثهم، وقد حصل ذلك، مع حزب الدعوة الإسلامية الذي أعدم منظرّه محمد باقر الصدر وأخته بنت الهدى، وكثيرون من أعضائه. وبعد الاحتلال، صدر قانون اجتثاث البعث، ولم تتوقف الحروب مع الأكراد حتى الاستفتاء في سبتمبر/ أيلول 2017، والذي أبطل بقوة الدولة، ووفرت الهزيمة الكردية السريعة دماءً كثيرة.


لم تعكس جنازة نائب رئيس الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس، إجماعاً عراقياً. صحيح أنها شدّت عصب الفريق الموالي لإيران في العراق، وأظهرت حضوره الشعبي والعسكري، بقدر ما عبّر فريق عراقي آخر ربما لا يقل حضوراً، لكنه أقلّ نفوذاً، عن رفضه الترابط العضوي بين إيران والعراق. وتجلى ذلك في استمرار ساحات الاعتصام، في بغداد والمحافظات الجنوبية. فوق ذلك، كرّست موازين القوى لصالح هذا الفريق الذي يمتلك ما يزيد على مئتي ألف مسلح، ويمسك بمفاصل الدولة.


تسبّب الصراع على هوية العراق في حروبٍ أهلية مديدة، الحرب مع الأكراد ومع الفصائل الشيعية. ما يسمى في العراق الرسمي بـ “الانتفاضة الشعبانية” ظل يسمى في إعلام صدّام حسين “صفحة الغدر والخيانة”. استغلّت يومها إيران هزيمة العراق في الكويت، وأدخلت عناصرها لدعم الانتفاضة ضد نظام صدّام، وخرجت بالفعل المحافظات الجنوبية عن سلطة الدولة، وأعيدت لها بالقوة وبدعم أميركي غير مباشر. يومها مُنع صدّام من سحق الأكراد وفرض عليه حظر جوي، وسمح له بقمع الشيعة.


أسهم الاحتلال الأميركي في تعميق الشقوق الطائفية، تماماً كما أسهمت قبلها الحرب العراقية الإيرانية. تعامل الحاكم الأميركي، بريمر، مع العراقيين بعقليةٍ غبيةٍ تنظر لهم طوائف لا مواطنين، وكان يعتقد متأثراً بأحد منظّري الاحتلال، فؤاد عجمي، وهو شيعي من المحافظين الجدد، أن بناء الدولة العراقية يتطلّب تمكين الشيعة، الطائفة المظلومة التي عانت من التسلط السّني تاريخياً. وبالنتيجة هو مكّن لإيران من خلال المعاملة التفضيلية لأحزابها ومحاربة السنة من خلال “اجتثاث البعث” وبعدها اجتثاث “القاعدة” و”داعش”.


وصل العراق إلى مرحلةٍ انتهى تماماً مفهوم الدولة فيها لصالح انتماءاتٍ فوقها عابرة للحدود، أو انتماءات دون حدود الدولة، على أسس مناطقية وعرقية وطائفية.. وزاد التصعيد الأميركي أخيراً من هشاشة الدولة، وحوّلها إلى أداةٍ بيد المليشيات المقرّبة من إيران.


المؤسف أن جلسة مجلس النواب العراقي التي طالبت بإخراج الأميركان جرى الحديث فيها بلغة طائفية صريحة. وكأن السنة مع بقاء الاحتلال والشيعة ضده. في صورةٍ معكوسةٍ للحظة الاحتلال الذي اعتبر أن السنة قاوموه والشيعة رحّبوا به.
بالنتيجة، لن تحلّ مشكلات العراق بالقوة، احتلالاً أم استبداداً، تحلّ بأن يعترف العراقيون بصعوبة بناء هويتهم الوطنية، وأن هذه المهمة التاريخية فشلت فيها الأنظمة المتعاقبة، والنجاح يتطلب الاعتراف بالاختلاف العميق، والاعتراف المتبادل. وبناء حوار وطني، وحوار مع إيران. فلدى الإيرانيين أيضاً انقسامات أعمق، لا يوحّدها غير نظام شموليٍّ لا يسمح بالخلاف، من حيث المبدأ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *