الرئيسية » المدونة » هل نحن ساخطون؟

هل نحن ساخطون؟

يتحدثون كثيرا عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة، ويتذمرون ويتألمون.. من الصعب القول إنهم يسخطون.

يوجد قدر هائل من الرضا والصبر والحذر والعقلانية (صيغة مخففة للجبن!). وليس بسبب سطوة الحكومة تتحول صيغ العمل الجماهري والنضالي إلى حضور رمزي (صيغة مخففة للفشل الجماهيري)، بقدر ما هو وجود رغبة حقيقية في البقاء بالبيوت أملا بألا تسوء الأوضاع أو أن تتحسن قليلا.

الناس يجيدون الحسابات أكثر من اقتصاديي الحكومة والمعارضة. مع أنهم لا يطلعون على أرقام الموازنة وتفاصيل الناتج المحلي واحتياط العملات والتضخم. ببساطة يعقدون مقارنة مع أنفسهم، قبل سنة أو قبل خمسين سنة، ويكتشفون أنهم بوضع أفضل، أو لم يتراجعوا كثيرا. الفقراء يعرفون أن فقرهم كان أقسى في الماضي. لذا عليهم الحفاظ على الوضع الراهن.

يرسمون صورا زاهية للحياة الفلاحية أو البدوية، وذلك الحنين لا يعني أنهم مستعدون للعودة إلى الحصاد صيفا. تكفيهم صور حقول القمح الذهبية في الذاكرة. ولا يعنيهم بيت تخفق الأرياح فيه إلا في مناسبات الأفراح والأتراح. لا يجنح خيالهم في وصف رخاء الماضي. تلك سمة الواقع اليوم، الماضي بسيط وحسب.

لم يكن لدينا أغنياء في الماضي كما اليوم، بضع عائلات ميسورة، لا فارق كبيرا بين حياتها وحياة سائر الناس. لم يوجد عندنا إقطاع أو نبلاء، بالكاد وجدت عندنا طبقة وسطى. اليوم تكتظ الصحف بإعلانات تدعو إلى رحلات سياحية خارج البلاد تتناسب مع دخول الناس. مع أن جيلا كاملا من الأردنيين لم يعرف من السفر غير الاستجمام في الأغوار ومن خلال الرحلات المدرسية.

العطل الصيفية كانت تقذف الأولاد إلى الشوارع، والتلفزيون الأبيض والأسود كان مقترا بالبث ولا يلبي متطلبات الأطفال الذين اضطروا لمشاهدة كل ما يبث لمختلف الأعمار. ربما استهوت القلة هواية المطالعة ولم يجدوا غير قليل من الكتب في المكتبات القليلة. الأكثرية كانت تبدد وقتها في لعب الورق والدواحل وكرة الشارع والطائرات الورقية والدراجات الهوائية (كل الهوايات في الشارع، لا متسع في البيوت!).

الناس كانوا بفعل الحر (أشك في أن درجات الحرارة ترتفع كثيرا هذه الأيام) ينامون على السطوح. ولم يكونوا يسخون بإبقاء المروحة شغالة في الليل. المؤكد أن قدرتها على احتمال القيظ كانت أعلى. والمؤكد ايضا أن أحدا لم يكن يغادر إلى أوروبا بحثا عن طقس أجمل.

يقارنون أنفسهم بالماضي فلا يسخطون، ويقارنون أنفسهم بالجوار كله فيرضون. السخط عندما تقارن نفسك بالمستقبل المطلوب وتكتشف أنك تستطيع أن تقطع شوطا أبعد بسرعة أعلى نحوه ولا تفعل، السخط عندما تقارن نفسك بدول ماضيها مثل ماضيك لكنها تجاوزتك.

الرضا علامة الخمول أحيانا، والمعارضة عندنا ليست جذرية وليس في نيتها ولا قدرتها تحريك الشارع. نحتاج إلى قدر من الرؤية النقدية للواقع، فالخمول ليس أقل سوءا من الإحباط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *