الرئيسية » المدونة » واشنطن بوست كسبت والجيش لم يخسر

واشنطن بوست كسبت والجيش لم يخسر

زوايا

ياسر أبو هلالة

أعاد التحقيق الذي نشر في “واشنطن بوست” أمس الأربعاء عن عمل كبار الضباط الأميركيين المتقاعدين لدى حكومات أجنبية، سواء كانت السعودية والإمارات ودول الخليج وإندونيسيا وأستراليا، الألق للصحيفة التي لا تشيخ شكلا ولا مضمونا. التحقيق نتيجة جهد صحافي وقضائي، إذ رفعت قضايا على الحكومة، وبعد كسب القضية والحصول على الوثائق جمعت المعلومات دقيقةً، وربطت بشكل متماسك جميل. أما من حيث الشكل فقد استخدمت تقنيات التحريك والرسومات والصور التفاعلية. وهذا يؤكّد أن الصحافة قادرة على مواكبة التحوّلات الرقمية والإبهار البصري، مع استقرار القيم الصحافية وثباتها. ينتسب هذا التحقيق إلى الاستقصاءات التي اشتهرت بها الصحيفة من قبل. مثل “أوراق البنتاغون” الذي كشف حال الجيش الأميركي في فيتنام، ولجأت الحكومة في تلك القضية إلى القضاء لمنع النشر، وفي النهاية انحاز القضاء قبل نصف قرن إلى الصحافة.

تضحيات الجيش الأميركي والإجماع الوطني عليه لا يمنح حصانة، بقدر ما يجعله أكثر مسؤولية وعرضةً لتحقيقات الصحافة، وممثلي الشعب في مجلس النواب. بعد “أوراق البنتاغون” نشرت تحقيقات تخصّ الجيش الأميركي سواء في أفغانستان في بداية الحرب واحتجاز حلفاء الجيش لمعتقلي “طالبان” تحت الشمس في مستودعات حديدية، والسجون السرّية والتعذيب في وكالة المخابرات الأميركية، والأبرز كان التعذيب في سجن أبو غريب، وتواصلت تلك التحقيقات في أفغانستان، وكشفت عن الحرب الطويلة الخاسرة فيها.

رفعت الصحيفة في تحقيقها دعوى قضائية ضد القوات المسلحة ووزارة الخارجية للحصول على السجلات الخاصة بالوظائف الأجنبية التي يسعى إليها العسكريون، أرادت “واشنطن بوست” أن تعرف: إلى أي مدى يسعون إلى الحصول على عمل من الحكومات الأجنبية؟ بما في ذلك نوع العمل والتعويضات والبلدان المعنية. حتى الآن ، حصلت “واشنطن بوست” على أكثر من 4000 صفحة من الوثائق، بما في ذلك ملفات قضايا لنحو 450 جنديًا متقاعدًا وبحّارة وطيارين ومشاة البحرية. وقاومت الحكومة الإفراج عن السجلات بموجب قانون حرية المعلومات، بحجّة أن الكشف لم يكن في المصلحة العامة وانتهاك خصوصية الأفراد العسكريين. بعد معركة قانونية استمرّت عامين، حكم قاضي المحكمة الجزئية الأميركية أميت ب. ميهتا في سبتمبر / أيلول بأن حجج الحكومة “غير مقنعة”، وكتب: “للعامة الحق في معرفة ما إذا كان القادة العسكريون رفيعو المستوى يستغلون مراكزهم – أو قد يُنظر إليهم على أنهم يفعلون ذلك – لخلق فرص عمل مع الحكومات الأجنبية في التقاعد”.

كشف التحقيق إن أكثر من 500 من العسكريين الأميركيين المتقاعدين، بمن فيهم عشرات من الجنرالات والأدميرالات، شغلوا وظائف كمقاولين ومستشارين لحكومات أجنبية منذ عام 2015، مستفيدين من خبرتهم العسكرية ونفوذهم السياسي. تدفع الحكومات الأجنبية مبالغ باهظة مقابل المواهب العسكرية الأميركية، حيث تصل الرواتب والمزايا إلى ستة أرقام وأحيانًا سبعة أرقام (أكثر بكثير مما يكسبه معظم أفراد الخدمة الأميركية في أثناء الخدمة الفعلية). وممن عملوا مستشارين عسكريين بأجر للسعودية مستشار سابق للأمن القومي للبيت الأبيض ومدير سابق لوكالة الأمن القومي وقائد سابق للقوات الأميركية في أفغانستان.

لم تؤثر تحقيقات الصحافة الأميركية في معنويات الجيش الأميركي، ولم يتراجع ترتيبه على مستوى العالم، بل على العكس ظل الجيش الأكثر كفاءة وقوة، على الرغم من التحقيقات الصحافية. الصحافة في النهاية تعمل عملها في حماية الحقيقة من خلال نشر المعلومات الصحيحة، تماما كما يعمل الجيش عمله في حماية البلاد. الصحافة تحمي الحقيقة والجيش يحمي الوطن، وكل منهما يمارس دوره بدون مزايدة على الآخر أو تشكيك في وطنيته. تماما على عكس ما يجري في بلاد العرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *