الرئيسية » المدونة » وتتواصل حرب الرموز

وتتواصل حرب الرموز

استعاد بطل الكونغ فو المصري محمد يوسف، سير الأبطال العالميين الذين استثمروا لحظة حضورهم عالميا لتبني قضايا عادلة. كان بطلا في الكونغ فو، وبطلا في الموقف السياسي؛ رفع شعار “رابعة” وهو يعلم ما ينتظره من عقوبات. هذا ما فعله تومي سميث وجون كارلوس عندما رفعا شعار “بلاك باور” ضد التمييز العنصري بعد فوزهما في أولمبياد المكسيك العام 1968، مع فارق أنه لم تجردهما الولايات المتحدة من الميداليات التي حصلا عليها، ولم تستدعهما من البطولة.البطل المصري جُرد من كل امتيازاته، وشُنت عليه حملة شعواء، إلى درجة أشهرته أكثر من البطولة التي نالها أو سيناهلها. وقصته تعكس حالة الاستباحة والإقصاء والإلغاء التي يعيشها مناهضو الانقلاب، وليس آخر فصولها تنحي القاضي في قضية المرشد العام لجماعة الإخوان لاستشعار الحرج.تتواصل حرب الرموز بين الانقلاب ومؤيدي الشرعية، لكن أخطرها رمز “رابعة” الذي تحول إلى رمز عالمي. فهو يجسد الضحية بأبهى صورها؛ من أسماء البلتاجي إلى حبيبة عبدالعزيز إلى الطفلة هالة أبو شعيشع.. بقدر ما يجسد الوحشية بأقبح صورها؛ من القناصة الملثمين، إلى المدرعات التي ترمي العزل بسلاح مضاد الدروع، وصولا إلى الجرافات التي تقتلع من الأرض البشر أحياء وأمواتا محترقين. تقف طالبة طفلة في مدرسة الاسكندرية وتشير بـ”رابعة”، فتهتز المدرسة ومدير الأمن وعناصر الجيش والشرطة. وتمر المظاهرات في الأحياء أو في الجامعات، فيشار لهم من النوافذ بها. إنها قوة الرمز التي لا تقهر، تماما كما حصل مع حركة الحقوق المدنية في “بلاك باور”، عندما كان يُلوح بالقبضات عاليا. ليست القضية عودة الرئيس الشرعي محمد مرسي، ولا تعديل الدستور، ولا خريطة الطريق؛ القضية الكبرى هي قتل آلاف المصريين بقرار من السلطة التي كانت ستفقد شرعيتها، لو كان لها أي شرعية، بعد قتل هذا العدد. لم يتمكن الانقلاب من نزع الشرعية لا عن الرئيس الشرعي ولا عن الجماعة الشرعية، ولو قتل أضعاف ما قتل، ولو أصدر آلاف الأحكام من دون “استشعار الحرج”؛ فالمرشد والرئيس وغيرهما واجهوا من قبل أحكاما أقسى من دون أن تلين لهم قناة. إنها رمزية لا تشترى ولا تباع ولا تسرق، رمزية الضحية صاحب الحق.لم يستطع الانقلاب تحطيم الرمزية حتى عندما جاء بباسم يوسف الذي لم يتمكن من السخرية من الضحايا؛ فقد كانت الناس تبتسم لسخريته من رئيس حاكم، لكن لا تبتسم لسخريته من إنسان مغيّب في سجن لا يعرف مكانه، مقابل مس خفيف بالحاكم بأمره عبدالفتاح السيسي، الذي حمل رمزية الجنرالات الانقلابيين في أفريقيا وجنوب أميركا، وحصل في النهاية على مادة دستورية تحصنه، في سابقة عالمية لم تعط لوزير دفاع.لن تنتهي الحرب بين الانقلاب والشرعية، وستتواصل على الأرض وعلى الرموز. والواضح أن الانقلاب يُستنزف على المستويين. لكنها حرب ليست قصيرة ولا سهلة. ولننتظر محاكمة بطل الكونغ فو الذي غدا “بروس لي” الشرعية؛ الذي يلعق دمه ويواصل معركته حتى النصر أو الموت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *