الرئيسية » المدونة » “يحبون من هاجر إليهم”..

“يحبون من هاجر إليهم”..

لعل أخطر تحد يواجه الربيع العربي هو هشاشة الهوية الوطنية الجامعة لصالح هويات فرعية دون الدولة أو عابرة لحدودها. غير أن الأمل يظل معقودا على شعوب قهرت المستحيل عندما هدمت بنيان أنظمة تطاول عليها العمر، وهي قادرة على بناء هويتها وحياتها السياسية والاقتصادية. وفي هذه اللحظة التاريخية الدقيقة، لا يجوز التساهل مع دعوات العنصرية، سواء كانت طائفية أم إقليمية أم أثنية. فالانزلاق نحو هاوية العنصرية سيغرق المجتمعات في حروب أهلية لا تبقي ولا تذر، وتقدم خدمة للطغاة، من رحل منهم ومن ينتظر.
في الأردن، فتحت التعديلات الدستورية بابا للأمل. وقد نكون استثناء إن نجحنا في قطع أبعد شوط في الإصلاح بأقل كلفة. وهذا سيكون نموذجا عربيا. غير أن المخاوف ما تزال ماثلة، وأخطرها ألغام الهوية التي يمكن رصدها في سجالات الهوية المنشورة في الصحف، والأسوأ منها التعليقات المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي. ولا يمكن لقطار الإصلاح أن يمضي فوق تلك الألغام المزروعة.
لا يمكن القبول باللغة العنصرية، ومن يرى في الأردنيين قبائل سارحة في الصحراء لا يقل سوءا عمن يرى في الأردنيين من أصل فلسطيني عمالة وافدة، عليها ترتيب أوراق الإقامة في وزارة العمل.
قوة الأردن أنه بلد مهاجرين، عمان ليست القاهرة ولا دمشق وغيرها من المدن المسورة. هي مدينة بلا أسوار، فتحت أبوابها للمهاجرين، بدءا من الشركس الذين تعرضوا للإبادة والتهجير، مرورا بالشوام الذين وفدوا طلبا للتجارة. وشكلت هجرة الفلسطينيين أكثرية سكانها، ولم تتوقف موجات الهجرة من عراقيين ولبنانيين وسوريين.
لم يتعامل الأردنيون بعنصرية، وكأنهم الأنصار الذين تنزّل فيهم قوله تعالى “يحبون من هاجر إليهم”. فالأردني ليس مسكونا بعقدة أن عمان أم الدنيا ولا يستعلي على غيره. والأكثرية تتعامل مع بلدها بشكل طبيعي بلا غلو. فالأردن مثل كل الدول العربية رسم الاستعمار خريطته. وكانت هوية الناس عربية إسلامية لا تعترف بحدود. وكان الآخر هو المحتل الغربي.
الأردنيون ليسوا “محافظات” وعاصمة. الحراك الإصلاحي يشمل البلاد كلها، والغريب أن من يتهمون الأردنيين من أصل فلسطيني بأنهم لا علاقة لهم بالحراك، هم ذاتهم من اتهموا حراك عمان في 24 آذار (مارس) بأنهم فلسطينيون. في الربيع العربي توحد الأردنيون في مطالب الإصلاح. ولا تفرق بين الجامع الحسيني في عمان أو الجامع العمري في الكرك. ومن يريدون أن يفصّلوا الإصلاح على مقاس المحافظات أو عمان واهمون. “فلا نزلت علي ولا بأرضي سحائب ليس تنتظم البلادا”. على رغم شذى الإصلاح الذي عم البلاد، إلا أن روائح كريهة تنبعث من مستنقعات عنصرية تزكم الأنوف، وتجفيف تلك المستنقعات هو المهمة الأولى للإصلاحيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *