الرئيسية » المدونة » يحكم القضاء أم الساسة؟

يحكم القضاء أم الساسة؟

عرفت أميركا حقبة في تاريخها سميت بـ”حكم القضاء” إذ تضطلع المحكمة العليا بمهام يفترض أن تكون منوطة بالمقام الأول بالرئيس أو بمجلس النواب. وفي تركيا اليوم يتصدى القضاء بعداوة صريحة للسلطتين التنفيذية والتشريعية اللتين يقودهما حزب العدالة والتنمية.

يجمع على استقلالية القضاء، فلا يوجد نظام محترم يقبل على نفسه التدخل في القضاء ويجعل منه تابعا للسلطة التنفيذية, لكن الخلاف حول الدور السياسي للقضاء، ففي قضية سجن غوانتنامو كان دور المحكمة العليا في أميركا سياسيا بامتياز. والمحكمة الدستورية في تركيا تمارس دورا سياسيا حاسما. والفارق بين النموذجين التركي والأميركي أن المحكمة في تركيا جزء من اللعبة السياسية وهي في صف الجيش ضد الإسلاميين، أما في أميركا فهي فوق اللعبة السياسية، ولا تدخل طرفا، مع أن أحكامها تؤثر في السياسة.

أين نقف في الأردن؟ لا توجد لدينا محكمة دستورية. وفي المرات القليلة التي كانت تحكم فيها محكمة العدل العليا، وهي قضاء إداري، في مسائل لها علاقة بالسياسة كان يتم التهرب منها عبر الطريق الالتفافي المسمى قوانين مؤقتة. أو من خلال طرح الموضوع مجددا على مجلس النواب.

حصل هذا في قانونين لهما علاقة ماسة بالحريات السياسية التي كفلها الدستور. الأول في إيقاف محكمة العدل العليا لقانون المطبوعات المؤقت الذي أصدرته حكومة عبدالسلام المجالي، والثاني عندما حكمت لحزب جبهة العمل الإسلامي في قانون الاجتماعات العامة ضد حكومة علي أبو الراغب. ماذا حصل في المثالين؟

لم نعد إلى قانون المطبوعات الذي أقره مجلس النواب الحادي عشر في مطلع التسعينيات ولا عدنا لقانون الاجتماعات العامة في الخمسينيات (لماذا تظل القوانين القديمة متقدمة؟) وإنما تم وضع قوانين أسوأ في تحايل على أحكام القضاء.

ليس الحديث هنا عن محكمة دستورية، وإنما عن احترام لقرارات القضاء. وقبل الحديث عن المحكمة الدستورية لا بد من ضمان استقلال القضاء وأهليته. وبما أن نظامنا القضائي شبيه بالنظام البريطاني الذي لا توجد فيه محكمة دستورية، فمن حق القاضي – بحسب اجتهادات قانونين- أن يدفع بعدم دستورية قوانين. هذا لا يؤدي إلى فوضى بل على العكس سيجعل السلطتين التشريعية والتنفيذية أكثر احتراما للدستور.

شرع مجلس النواب الحادي عشر القوانين الناظمة للحياة الديمقراطية، وكان من المفترض أن يبنى على تلك القوانين باعتبارها تمثل روح الدستور وتشكل أرضية صلبة يبنى عليها. ما حصل بعد عام 1993 يمكن أن يوصف بالفوضى التشريعية فكم قانون مطبوعات؟ وأحزاب؟ وانتخابات؟..

وأخيرا جاء قانون الجمعيات. وفي مجملها تراجع عن الديمقراطية. هل يمكن للقضاء أن ينظم هذه الفوضى التشريعية التي قادتها الحكومات المتعاقبة بغياب مجلس النواب وبانعقاده؟ الرأي السائد أن القضاء ينفذ القوانين باعتبارها جميعا صادرة عن مجلس النواب – أو عن الحكومة في حال تغييبه – ولم يسبق، بحدود معرفتي، أن دفع قاض بعدم الدستورية.

ببساطة، السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، وقيمة الديمقراطية تعدد السلطات وتوازنها بحيث لا تنفرد سلطة بالقرار. ومن المصلحة أن يظل للقضاء دوره في الرقابة على السلطتين التنفيذية والتشريعية. وهذا لا يكون إلا بتعزيز استقلاليته. المجتمع السليم هو من يخضع لسلطة المشرعين والسياسيين والقضاة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *