الناس في غزة لا تتوفر لهم الأدوية، بينما أنا لديّ الأدوية».
جسدت الإيثار لآخر لحظة
لم ينسها ألمها الفظيع آلام غزة
عسى في جنان الخلد جزاء لها ولمن عانت من أجلهم
في الجنة متسع لمن ضاقت بهم الأرض وحاصرهم الظلم والألم :﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾سورة الحجر: 48( النصب هو التعب والمشقّة والعناء)
كتبوا عن الراحلة هبة رحمها الله:”هبة كرّست حياتها لمساعدة اللاجئين، ومنح الأمل والدفء لمن كانوا في أمسّ الحاجة إليهما.
وحتى خلال معركتها المؤلمة مع سرطان الدم، ظل قلبها مع الآخرين، وكانت تتحمل مرضهابصبر عميق، وكثيرًا ما كانت تذكّر من حولها
«الناس في غزة لا تتوفر لهم الأدوية، بينما أنا لديّ الأدوية».
عسى أن تكون كل نفس ساندتها، وكل لحظة صبر وإيثار، وكل ألم تحملته، رفعةً لها ونورًا فيالآخرة.
لن تُنسي أبدًا يا هبة.
ارقدي بسلام أبدي.
والعبارة أعلى الصورة:
«أيًّا كنت، وأينما كنت، ومتى كان. أنا أقف مع اللاجئين».
حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«إذا مات ولدُ العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسمّوه بيت الحمد».
رواه الترمذي، وقال: حديث حسن
من اللحظات التي يعجز فيها الإنسان عن الكلام لحظة الموت. ولا أدري كيف أعزّي خالتي صباح حياصات أو زوجها الدكتور فتحي الملكاوي بوفاة بنتهما الصغرى هبة .
ودّعنا ليلة أمس ابنة خالتي، هبة فتحي المكاوي التي رحلت وهي في ريعان الشباب .أتذكر هبة، أصغر بنات خالتي صباح، وكيف كانت بالنسبة إلى والدتها كأنها الادخار للمستقبل. وحين غادر إخوتها إلى أمريكا، وبقي والداها، الدكتور المفكر فتحي المكاوي وخالتي صباح، في الأردن، اختارت هبة، رغم عملها في المؤسسات الدولية، أن تعود إلى الأردن وتستقر فيه، لتكون إلى جانب والديها في كبرهما.
تخرجت في جامعة جورج ميسن ثم أكملت الماجستير في جامعة الأمم المتحدة في قانون اللجوء وعملت مذّاك مع اللاجئين السوريين والأفارقة . وهي محظوظة أن عملها يطابق شخصيتها ، تهتم بالفئات الأضعف وتلبي حاجاتهم
وقد روت أمها إن لاجئة سورية سمّت ابنتها هبة امتنانا لما قدمته لها .
عندما عادت للأردن ، ووافقت الأمم المتحدة على عملها في متابعة ملفات اللاجئين الأفارقة في تونس عن بعد ، ولتكون أقرب لوالديها شاء الله أن تنقلب الأدوار، وأن يقف والداها إلى جانبها في محنتها.عندما شخصت قبل نصف عام بسرطان الدم .
فبعد عودتها إلى الأردن واستقرارها فيه، اكتُشف الإصابة. تعاملت هبة مع مرضها بشجاعة وإيمان، وخاضت العائلة معها هذه المعركة الصعبة بكل ما أوتيت من قوة وأمل، حتى انتهت، بقدر الله، بانتصار المرض اللعين.
لم تقصّر هبة مع والديها حتى آخر لحظة. انحازت إليهما حين كانا بحاجة إليها، كما لم يقصّرا معها حين أصبحت هي في أشد الحاجة إليهما. ولعل هذه هي متعة العطاء ولذته ومعناه الحقيقي: أن تعطي حتى آخر لحظة، وأن تتشبث بالحياة، وأن تقدم أفضل ما لديك حتى النهاية، مهما بدا الإنسان عاجزًا أمام مرض قاسٍ كهذا.
رزقني الله سبع خالات وثلاثة أخوال، ونشأت في أسرة شديدة الترابط. وحين كنت أدرس في جامعة اليرموك، لم تكن هبة قد وُلدت بعد، لكنني كنت قريبًا جدًا من خالتي صباح وزوجها الدكتور فتحي المكاوي. كانا بالنسبة إليّ أكثر من خالة وزوجها؛ كانا أهلًا وأصدقاء وسندًا.
كانت خالتي صباح تدرس الماجستير في الجامعة آنذاك، ولا أنسى أنها كانت تنتظرني أحيانًا على باب المحاضرة لتأخذني معها إلى البيت، مراعاة لخجلي وترددي في أن أذهب إليهم من تلقاء نفسي. كانت بالنسبة إليّ أمًا وأختًا وصديقة.
أما الدكتور المفكر فتحي المكاوي، فكان صديقًا لوالدي، رحمه الله. ولا أزال أذكر ذلك اليوم،، عندما توفي والدي، ( عام 1977) فجلس معي ومع أخي عمار، ونحن طفلان، يواسينا ويصبّرنا على فقد أبي.وها أنا أجد نفسي، بعد نحو نصف قرن عامًا، أحاول أن أصبّره على فقد ابنته.
ما أقسى أن تتبدل المواقع هكذا، وأن يعود إليك مشهد قديم بعد عقود، لكن بأدوار مختلفة وألم جديد.
ولا عزاء أصدق من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصبر والاسترجاع والاحتساب عند المصيبة. نسأل الله أن يربط على قلبي والديها، وأن ينعم عليهما بالصبر وحسن العزاء، وأن يجعل صبرهما واحتسابهما في ميزان حسناتهما. وان يجمعنا بالأحبة في مستقر رحمته ، في مقعد صدق .
الألفة تذهب بالدهشة، ونعيش حياتنا وكأنها ستدوم. ثم يأتي الموت ليعيدنا فجأة إلى الحقيقة الأولى: أن هذه الحياة مؤقتة، وأنها مهما طالت فلا بد أن تنتهي.
لكن الفاجعة التي مُنيت بها أسرتنا جميعًا تعيد في الوقت نفسه تأكيد ما يبقى حقًا بعد رحيل الإنسان: قيم الأسرة والمحبة والوفاء؛ محبة الأب والأم لأبنائهما، وبرّ الابنة بوالديها، ومحبة الخالة، والوفاء لأصدقاء الآباء، وكل تلك الروابط التي تمنح الحياة معناها.
عندما زرت الدكتور فتحي وخالتي صباح في إجازة الصيف الأخيرة، كانا يتابعان وضع هبة لحظة بلحظة. أعدبناتي قالب حلوى وزرنها بالمستشفى وخرجن مندهشات من قوتها وتفاؤلها ظلت هبة حتى النهاية متشبثة بالأمل، مقبلة على الحياة، قوية في محنتها.
رحيلها خسارة كبيرة لا تعوّض لوالديها وأحبائها ولأسرتنا جميعًا. لكن عزاءنا أنها تركت وراءها سيرة ابنة بارة، وإنسانة عرفت معنى العطاء، وظلت تمنح من حولها الأمل حتى وهي تخوض أصعب معاركها.
غادرت الدنيا لكنها لن تغادر ذاكرتنا ، سنحتفظ بصورتها المشرقة المبتسمة الراضية المرضية ، سنذكرها نحن العائلة الصغيرة ، تماما كما يذكرها كل من عمل معها وكل من ساعدته .
هبة السورية التي تحمل اسمها ومئات من الأفارقة وغيرهم ممن وجدوا فيها ملاذا من قسوة الحياة .
تغادر الحياة بقسوتها وحنانها ، عند رب رحيم كريم ، حنّان منّان .
رحم الله هبة فتحي المكاوي رحمة واسعة، وتغمدها بواسع مغفرته ورضوانه، وأسكنها الفردوس الأعلى، وربط على قلبي والديها وأهلها وأحبائها، وجمعنا بها في عليين كما جمعنا بها في هذه الدنيا.
إنا لله وإنا إليه راجعون.







