الرئيسية » المدونة » الإمارات وشيطنة “الإخوان” في “نيوزويك”

الإمارات وشيطنة “الإخوان” في “نيوزويك”

28 أكتوبر 2021

تنشط شركات العلاقات العامة، ذات العقود المليونية، في ترويج سياسات الإمارات المعادية للربيع العربي في الإعلام الغربي، خصوصاً ما يتعلق بجماعة الإخوان المسلمين وقطر وتركيا، وكان قد ثبت في تحقيقات مستقلة أنهم اخترعوا شخصياتٍ وهميةً للكتابة في الإعلام الغربي. في هذا السياق، يُقرأ مقال رئيس لجنة شؤون الدفاع والداخلية والعلاقات الخارجية في المجلس الوطني الاتحادي لدولة الإمارات، علي النعيمي، في مجلة نيوزويك الأميركية، فهو ليس كاتباً، لا بالعربية ولا بالإنكليزية، وإنما يُكتب له للنشر في واحدةٍ من أبرز المجلات العالمية.

كتب النعيمي عن تعرض النائب البريطاني، السير ديفيد أميس، للطعن، وقد قُتل قبل أسبوعين. واستغلّ مقولة المدّعي العام في المملكة المتحدة في ما يتعلق بالقاتل المزعوم: “سوف نقدّم للمحكمة أنّ لجريمة القتل هذه علاقة إرهابية، أي أنّ لها دوافع دينية وأيديولوجية”، وذلك لشيطنة “الإخوان” وتحريض الغرب عليهم، باعتبارهم حملة أيديولوجيا متطرّفة وإرهابية. وكتب أيضا “بصفتي عضواً سابقاً في جماعة الإخوان المسلمين تمت تربيته منذ صغره إن أحدا لا يمكنه أن يخفي مسدّساً، لكن يمكن للمرء أن يخفي بسهولة أيديولوجيا، كما أظهر مقتل أميس”.

يسلك المقال طريق جماعات الإسلاموفوبيا في استغلال حادثة إرهابية أو جنائية لإلصاق التهمة بالإسلام عامة، أو بكبرى الجماعات الإسلامية التي تنشط منذ عام 1927، ويقدّم الكاتب نفسه واحداً من ضحايا هذه الجماعة التي جنّدته في أثناء دراسته في أميركا عام 1979. وهو يغفل، عن قصد، أنّ الجماعة كانت، في ذلك الوقت، معترَفاً بها رسمياً في بلده، ويستقبل رأس الدولة الشيخ زايد قادتَها بحفاوة واحترام. وفوق ذلك أن وزيراً للتعليم في الإمارات، هو سعيد سلمان، كان من مؤسّسي الجماعة وقادتها، وشغل ابتداء منصب وزير الإسكان في أول حكومة اتحادية إمارتية. وما لم يذكره علي النعيمي أن سلمان الذي توفي في منفاه الاختياري في ألمانيا نال الدكتوراه في جامعة باريس، وأسّس كلية عجمان للتكنولوجيا، وجامعة البحر الأبيض المتوسط للعلوم والتكنولوجيا في إسبانيا، وكلية مسقط للعلوم والتكنولوجيا في عُمان وجامعة ظفار.

لم تكن الإمارات استثناء عربياً. كان “الإخوان المسلمون” جزءاً محترماً من المجتمعات العربية. وكانت الحكومات العربية المحافظة تنظر إليهم حليفاً، ليس فقط لأسبابٍ سياسية، في مواجهة المد الناصري واليساري، وإنما أيضا لأسباب اجتماعيةٍ وتربوية للحفاظ على البنيان الأخلاقي للمجتمع. ولذلك في وقت كان فيه سعيد سلمان وزيراً للتربية والتعليم في الإمارات كان إسحق الفرحان وزيراً للتربية والتعليم في الأردن، ويوسف القرضاوي مديراً للمعهد الديني في قطر، ومثل ثلاثتهم كانوا في السعودية واليمن وغيرهما.

وعلى طريقة الكاتب في تقديم نفسه ضحية، أتذكّر ارتباطي المبكّر بالجماعة طالباً في المدرسة. كان الدافع في ذلك وفاة والدي رحمه الله، وقد كان مثلاً أعلى لي. وجدتُ في الجماعة امتداداً له، كانت أسرة “الخلية التنظيمية الأولى” تجتمع في بيتنا، ومنهم وزير الأوقاف الأردني وأمين عام مجمع الفقه الإسلامي، عبد السلام العبادي، الذي توفي في جدّة مصاباً بكورونا العام الماضي.

انتظم الوالد في جماعة الإخوان المسلمين، في أثناء دراسته في جامعة دمشق 1960-1964، وكانت الجماعة وقتها بقيادة مصطفى السباعي الذي كان أحد الأعضاء التسعة في لجنة كتابة دستور سورية عام 1950، وكان عضواً في مجلس النواب وعميد كلية الشريعة والقانون. كانت الجماعة في وقتها في ظل مجتمع ديمقراطي تمثل الحزب “المحافظ” الذي يترشّح على قوائمه سنّة وشيعة ومسيحيون، لا بل ويهود أيضاً. وكان حليف السباعي السياسي فارس الخوري الذي انتخب رئيساً لمجلس النواب السوري.

عكَس والدي رحمه الله تلك الروح، وعندما فاز بمسابقة تأليف منهاج اللغة العربية للمرحلة الثانوية، كان شريكه في التأليف نهاد الموسى الذي كان ذا فكر قومي يساري، وقدّما معاً واحداً من أكثر المناهج تنوّعاً وانفتاحاً، وكانت في الكتاب سور من القرآن الكريم وأشعار لأبي نواس ونزار قباني ومحمود درويش ومقالاتٌ لمحمد حسنين هيكل.

اختلفت مع “الإخوان” قبل أن أغادر التنظيم في منتصف التسعينيات، ولدي مآخذ كثيرة كتبتها وتحدثت بها. لكن لا يمكن أن تصل شيطنتهم إلى درجة أن يكون الطلب الأول من ترامب، بحسب سجل محاكمة توم باراك، اعتبار الجماعة إرهابية. هم حركة سياسية مثل أي حزبٍ سياسي في الغرب، يتطوّر ويتراجع بحسب المناخ السياسي، فالحركة التي أنتجت سياسياً شارك في كتابة دستور سورية ذاتها التي أنتجت بعد الانقلابات العسكرية مقاتلاً مثل مؤسس الطليعة المقاتلة لجماعة الإخوان المسلمين، مروان حديد، والذي قُتل تحت التعذيب في سجون حافظ الأسد.

لا يُحكم على حركةٍ كبرى من خلال تجارب شخصية، كما يبادر علي النعيمي، بلا أيّ دليل، لاتهام كبرى الجماعات الإسلامية، الموجودة في الغرب منذ الخمسينيات، بعمل إرهابي دنيء .. يستحق المسلمون والعرب في الغرب من يقف معهم هذه الأيام، لا من يتآمر عليهم، سواء بالمقالات أو بالوشايات الأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *