الرئيسية » المدونة » “الزعتري”.. الكارثة التي يجب أن تتوقف

“الزعتري”.. الكارثة التي يجب أن تتوقف

مثل كل القضايا الكبرى والصغرى، علينا التسليم بأن الحكومة (أي حكومة) اتخذت قرارا صائبا بإقامة مخيم الزعتري، بدءا من اختيار مكانه، فإدارته، وصولا إلى الانتهاء منه بعودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم. وأي انتقاد لأوضاع المخيم هو إساءة للدور الأردني وانتقاص منه، وتنفيذ لأجندات شخصية وخارجية. وبالنتيجة، فإن أي انتقاد، سواء لسياسة كبرى أو لإجراء بسيط على مستوى ميداني، لن يؤدي إلى نتيجة في غالب الأحوال.
فوق ذلك، فإن ما يعاني منه اللاجئ السوري يعاني منه المواطن الأردني. فإن كان المخيم قد غرق بالمياه، فإن شوارع كبرى في عمان غرقت، وبلدات تقطعت بها السبل، فلماذا الانشغال بمأساة صنعها أهلها بأيديهم؟ فقد كان بإمكانهم البقاء تحت القصف والحصار والتدمير، وهم بين الأسوأ والسيئ اختاروا الأخير.
تلك الحجج تصلح للمساجلة بلا معنى، والركون للراحة وتعطيل الضمير. والواقع أن نقاش الموقف الرسمي من الثورة السورية سياسيا وإغاثيا هو مسؤولية القوى السياسية كافة، كما هو مسؤولية الإعلام. وبالتجربة، فإن أخطاء الحكومة تتكرر بشكل أسوأ في مخيم الزعتري، نظرا لغياب الرقابة الفاعلة، حتى الإعلامية منها. فدخول الإعلام مقيد، وأي صحفي يحتاج إلى تصاريح مسبقة للدخول، المقيد زمانا ومكانا.
من حيث المبدأ، شكل المخيم انعطافة في نظرة السوريين والعالم لنا. حتى إعلام النظام السوري أخذ يذرف الدموع على حال أهل الزعتري. وبالمجمل، فإنه لا يمكن مقارنة الحال قبل وبعد الزعتري. فقد ظلت الصورة خلال نحو عام ونصف العام من الثورة السورية وقبل افتتاح المخيم زاهية نسبيا: يستقبل الجيش العربي الهاربين من جحيم القصف والدمار والاغتصاب، ويقدم لهم المعونات العاجلة. بعدها يؤمنون لسكن البشابشة لتتم واقعا لا خيالا أروع عمليات التضامن من خلال إجراء التكفيل. فإن كان الخليح الثري عرف نظام الكفيل مع رجال الأعمال، فإن الأردنيين عرفوا الكفيل مع المعدمين واللاجئين. والكفيل الأردني قد يقدم كل ما يحتاج إليه اللاجئ من سكن ومعونة، وقد شاهدت ذلك بعيني؛ وقد تقتصر مسؤوليته على الجانب القانوني والإجرائي لتستكمل الجمعيات الخيرية دورها الإغاثي.
توجد قصص رائعة غير مسبوقة في مجتمعات ثرية. وأتذكر هنا المرحوم الشيخ سامي مثقال الفايز الذي تبرع بعمارته التجارية للاجئين. وكان ذلك أفضل استثمار له يبقى عائده حتى بعد رحيله عن دنيانا. صحيح أن ما قبل الزعتري شكل إغراء لقدوم كثير من اللاجئين، لكن مأساة المخيم تسهم في تقليل عدد اللاجئين. لكن ذلك يحتاج تدقيقا. فعلى سوء الزعتري، إلا أنه يظل أفضل من القبر أو سجون النظام السوري أو التشريد في داخل سورية في ظل انعدام الأمن وشروط الحياة.
حالنا مع اللجوء السوري كحال من نقضت غزلها من بعد قوة. وفي غرق المخيم فرصة لإغلاقه والعودة إلى النظام السابق، بحيث يكون مخيما محدودا يسبق إجراءات التكفيل، ويبقى فيه من لا يجد كفيلا. وقد أدى المخيم دوره في إشعار العالم بأهمية موضوع اللاجئين، وتسليط الضوء على قضيتهم. وفي النهاية، النظام السوري ساقط، واللاجئون سيعودون، وفرق بين من يعود وهو يشعر بالامتنان وبين من يعود وهو يشعر بالمرارة والألم والخذلان.
ألخص حال المخيم في المنخفض الجوي الأخير بما قاله لاجئ مستغيث: “يا أخي لا يوجد شيء غير مبلل نغطي الأطفال به”. هؤلاء أولا وآخرا بشر سيسألنا الله عنهم. والمسألة ببساطة، وبدون تنظير وفلسفة وسياسة واقتصاد، خوف من الله لا أكثر.
أغلقوا المخيم وعودوا للوضع السابق والعود أحمد. واللاجئون عاجلا لا آجلا لوطنهم عائدون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *