مقالات

الموقف من الموسيقى

في أثناء إنتاجي لفيلم “عبدالله عزام: أول الأفغان العرب”، وفي البحث عن موسيقى أفغانية، فرحت بتقرير للزميل تيسيرعلوني عن الموسيقى الصوفية في أفغانستان. وحين شاهدت التقرير، فوجئت أنه رصد منع إمارة طالبان لتلك الموسيقى، بسبب مخالفتها للشريعة الإسلامية.
وفي العراق، منع متشددون شيعة الموسيقى في مهرجان بابل للفنون. وأيدهم صدر الدين القبانجي، خطيب النجف في ذلك. وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، منعت في البداية الموسيقى عن الإذاعة والتلفزيون.
يتداخل الوضع الاقتصادي بالسياسي بالديني، في الموقف من الترفيه عموما، والموسيقى بخاصة. وتصبح الموسيقى أحيانا هوية طبقية، أو قومية أو دينية. والموقف المعادي من الموسيقى في الأحوال السابقة، هو تعبير عن هوية رافضة للسائد، استنادا للفتوى. وقد عرف التاريخ الإسلامي هذا الجدل، وظل مرتبطا بالحال الحضارية للأمة. ففي بيئات مثل بغداد ودمشق وقرطبة التي كانت منارات العالم في وقتها، تزدهر فتوى الإمام الغزالي “من لا يعجبه العود وأوتاره، والربيع وأزهاره، فذلك فاسد المزاج ليس له علاج”. وفي بيئات قتالية كالمرابطين وطالبان وما شابههما، تزدهر فتاوى المنع والتحريم.
في البيئة الأردنية، ثمة خلط وتداخل عجيب. فأن تجد موسيقيين مثل غيا ارشيدات، وطارق الجندي، وغيرهما ممن يطرقون أبواب العالمية باقتدار، ويحاولون استنبات موسيقى في أرض قاحلة، لا يمنع من وجود مواقف أكثر تشددا من “طالبان”. فأصحاب هذه المواقف لا يحرمون الموسيقى ويريحون ويستريحون، بل يؤمنون بالضجيج والإزعاج باعتبارهما فنا. ومن لا يشاطرهم هذا الإيمان، فهو خارج صفوف المؤمنين بالوطن، الذي يُحدد ويُفسر وفق تأويل المتشددين “وطنيا”.
ما حصل من اعتداء على حفل الموسيقى في مركز الحسين الثقافي، وبمعزل عن التفاصيل الأمنية التي تنتهي في سائر الاعتداءات إلى “شكوى مقابل شكوى” تنتهي بسحب الشكوى، فإن هذا الاعتداء يعكس صراعا مجتمعيا عميقا. فكل موظفي الحكومة في العالم، بمن فيهم ساكنو البيت الأبيض، يتقاضون رواتب متدنية قياسا بالقطاع الخاص. وموظفو أمانة عمان، سواء في المسرح أم في الهندسة، هم جزء من بيروقراطية حكومية مكافحة، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة. لكن ذلك لا يعني أنهم لا يخلصون في عملهم أو لا يبدعون، تماما كما أنه لا يعطيهم حصانة وإعفاء من المساءلة.
لا نحتاج تحقيقا أمنيا وإحالات إلى المدعي العام بسبب مشاجرة. نحتاج تحقيقا يكشف مدى مساهمة “الأمانة”، التي تعيش على جيوبنا، في دعم الثقافة؛ من المكتبة إلى المسرح. ونريد أن نعرف حقيقة المؤهلات والرواتب والامتيازات للمسؤول وللموظف الصغير، لسبب بسيط، هو أنها مدفوعة من جيوبنا.
سابقا، لاقى أمين عمان عمر المعاني معارضة على اندفاعه في مشروع بناء دار أوبرا، تكلف ملايين الدنانير. وكان وجه الاعتراض أن المطلوب أولا هو وجود عازفين ومتذوقي  موسيقى، ثم يأتي دور البناء. وكلفة تأهيل البشر أقل كثيرا من كلفة الأبنية الباذخة. اليوم، المأساة أكبر؛ فثمة من له موقف أيديولوجي بناء على تقسيم طبقي من الموسيقى.
تحتاج البلاد إلى تعزيز قيم الجمال في مواجهة قيم القبح. والموسيقى جزء من علاج المجتمعات التي تشكو من ثقافة التقسيم والتحريض والاحتراب والتخوين. وكما تجد الجمال في تفاصيل عمان، من أزهار ربيعها إلى بائع الكعك صباحا إلى أدراج جبالها، تجد القبح كذلك في تفاصيل أخرى، من زعيق سيارة على إشارة ضوئية إلى تلوث “موسيقي” بدعوى أن ذلك الضجيج يعزز الحس الوطني.
الإنسان الطبيعي صحيح المزاج، كما قال الإمام الغزالي؛ ينحاز فطريا إلى الجمال، سواء كان صوتا أم صورة. وعليه، فإننا ننحاز إلى أوتار عود طارق الجندي، وما تؤلفه غيا ارشيدات.

[email protected]

abuhilalah@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *