الرئيسية » المدونة » تمرين على الديمقراطية في مجلس النواب

تمرين على الديمقراطية في مجلس النواب

لو لم ينعقد اجتماع النواب مع رئيس الحكومة هل كانت الحال أفضل؟ المصابون برهاب (التخوف من) الديمقراطية يزعمون ذلك. فلا داعي لنشر الغسيل الوسخ والاتهامات بالحق والباطل على “الفضائيات”. ولا يجوز لبعض النواب الذين صنعوا على عين الدولة أن ينساقوا وراء إغراءات الإعلام ويمارسوا المعارضة بأثر رجعي. وفوق ذلك فإن العملية كلها تشويش على الاستثمار والمستثمرين.

ما حصل رد عملي على المصابين بداء رهاب الديمقراطية. فالحياة سارت في نهاية الأسبوع بشكل طبيعي ولم يشاهد في مطار عمان مستثمرون يهربون على عجل بعد تخريب استثماراتهم، ولم ينتشر الجيش في الشوارع. لم أستمع لجديد وأنا أصغي إلى صراخ النواب، كل ما قيل في الهواء الطلق بصوت عال كان يقال أكثر منه همسا وهمزا ولمزا في أقبية الغيبة والنميمة المعتمة.  

تنشأ العقد النفسية في العتمة ولا يعالجها إلا الضوء، ولا علاج للعقد المجتمعية إلا بتسليط مزيد من الضوء عليها. وهي إن بقيت تفاقمت وانفجرت بشكل مدمر. في جلسة النواب لم يكن ثمة سوداوية، على العكس. كان ثمة إيجابية  وفخر بما تحقق وحرص عليه، وكانت المطالب دستورية وواضحة ومحقة، والسجال ليس شخصيا ولا جهويا، كان اقتصاديا وسياسيا وإن قسى أو اشتط. فالليبراليون الجدد ليسوا رسلا معصومين، هم بشر يخضعون للمحاسبة والمكافأة والعقوبة. وقراراتهم لا تخص خياراتهم الشخصية في الزواج والطلاق وإنما في مصالح الناس اليومية والوجودية.

وكل ما قيل لا يجوز أن يكون صرخة في واد ونفخة في رماد، بل لا بد من تفعيله سياسيا واقتصاديا وقضائيا. خلافا لعنوان “الغد” لم تكن مطالب النواب استقالة الحكومة، على العكس كان الإجماع على أن تأخذ الحكومة دورها وتبسط ولايتها العامة على المال العام، وإلا.. تستقيل. وكانت سهام النواب تتجنب إصابة الرئيس لتلف إلى “أعضاء في فريقه وخارج الحكومة”.

بعد الجلسة غدت الكرة في مرمى الحكومة، وقد أعطيت دعما من النواب الذين سبق أن أعطوها ثقة غير مسبوقة. وعليها أن تقدم مبادرة جريئة تريح الرأي العام. وهو ما اقترحه النائب ورئيس مجلس النواب السابق سعد هايل السرور فما حصل في فضيحة الكازينو جريمة بكل القوانين وهو خاضع لجرائم الأمن الاقتصادي وقانون محاكمة الوزراء. ومن حق دافع الضرائب (يوميا يدفع كل مواطن ضريبة مبيعات!) أن يعرف من هو المسؤول الذي أضر باقتصاد البلاد بالموافقة على عقد مجحف ينظم بيع سلعة مجرمة قانونا!

سينبري المنتمون لثقافة القرون الوسطى للدفاع عن سمعة البلد المستهدف. عجبا، هل ما يضر البلد الفساد أم محاربة الفساد؟ وهل ثمة استهداف للبلد أكثر من الإضرار بمصالحه الاقتصادية ولقمة عيش ناسه؟

لندع كل هذه الوطنية المدعاة، ولننظر إلى دولة العدو الصهيوني التي تحتفل بذكرى استقلالها أي نكبتنا. في غضون جلسة النواب العاصفة كان الإسرائيليون يحتلفون بعروض عسكرية ضخمة (غواصات وطائرات تعبأ بالوقود وهي طائرة وأخرى بدون طيار..). لم ينتصروا علينا بقوة السلاح الفتاك فقط، وإنما بما هو أهم منه. وهو ما جاء في الأخبار عشية الاحتفالات. فـ”الاشتباه” بفساد رئيس الوزراء أولمرت هو الذي يعبر عن قوة الدولة قضائيا في مواجهة العدو الداخلي ممثلا في الفساد تماما مثل قوة الدولة عسكريا في مواجهة العدو الخارجي.

لم يقل أولمرت إن حزب الله وحماس و.. يتآمرون عليه ويستهدفون منجزات الوطن قال: “إذا تم تقديم لائحة اتهام ضدي فسأستقيل من منصبي”، وقد استقال رئيس الدولة من قبل بسبب تهم التحرش ولم تنهر دولة الاحتلال!

لم تأخذهم رأفة برئيس وزراء منتخب يحتفل بذكرى الاستقلال ويستعد لاستقبال بوش. وكل التهم إن صحت تعتبر في عرف العالم العربي امتيازات مشروعة ومطلوبة للمسؤول. فالقصة تتلخص بعد تصريحه عن تبرعات مالية لحملته الانتخابية. وهو يرفض اعتبارها رشوة. وسبق أن حُقق معه في الحصول على ” تخفيض” لشراء منزل! ماذا يقول من يتلقون رشوة منزلا كاملا؟

هذا فعل ديمقراطي، أما ما يحصل عندنا فهو تمرين ديمقراطي يؤمّل أن يتحول إلى فعل يومي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *