الرئيسية » المدونة » “مصنع السلاح في معان”!

“مصنع السلاح في معان”!

في غضون أحداث معان خرجت بعض الصحافة الأردنية والفضائيات بقصة اكتشاف مصنع سلاح كيماوي في المدينة. وإلى اليوم يتندر أهل معان بحكاية المصنع، ولم يمتلك أحد شجاعة الاعتراف بعظم تلك الفرية .

وباستثناء تقريري مركز الدراسات الاستراتيجية “معان: أزمة مفتوحة” ومجموعة الأزمات الدولية، لم يصدر تشخيص علمي للأزمة، واكتفى رؤساء الحكومات بوعود منكوثة بالإفراج عن المحكومين في الأحداث.

نريد أن نعرف اليوم من وراء حكاية مصنع السلاح؟ وهي لا تختلف عن التضليل الذي مارسته السي آي أيه والإم آي سكس في قضايا أسلحة الدمار الشامل في العراق، التي تبين أنها كانت مجرد رغبات سياسية ورطت فيها أجهزة دول كبرى. تماما كما حصل قبل الحرب على الإرهاب في قضية مصنع الشفاء في السودان وهو مجرد استثمار متورط  به بالمناسبة رجال أعمال أردنيون! لم يعتذر أحد للعراق ولا للسودان ولا.. لمحافظة معان!

 في قضية الفتى الصمادي لا يجوز أن نكرر حكاية مصنع السلاح. وننسف أبسط قواعد النزاهة الأخلاقية التي تفترض أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وننساق وراء الأجندة السياسية المنتهية مدتها لـ”الحرب على الإرهاب”. فجوهر حقبة أوباما هو نقيض تلك الأجندة تماما، وهو عين مدعيا عاما للتحقق من قضايا التعذيب والسجون السرية، والراجح أن يخضع مسؤولون في وكالة المخابرات الأميركية للمحاكمة والمحاسبة.

من يتحلون بالنزاهة الأخلاقية لا يتصفون بالسذاجة والغباء. فالمحكمة العليا بأميركا قبل أوباما عندما اعتبرت غوانتنامو غير شرعي لم يكن قضاتها مقتنعين بأن خالد الشيخ ورمزي بن الشيبة وغيرهما كانوا ينتجون فيلم سينما عندما اعتقلتهم وكالة المخابرات الأميركية، كانوا على قناعة بوجود متهمين يواجهون أدلة قاطعة لا مجرد شبهات، لكن حتى لو كانت الجريمة هي قتل أكثر من ثلاثة آلاف أميركي فإن هذا لا يمس مبدأ المحاكمة العادلة.

في المقابل فإن الإرث القضائي الأميركي يعرف كيف تمادت “المكارثية” في أخذ الناس بالشبهات بناء على اعتبارات سياسية وأمنية، وأن آلافا من الأميركيين انتهكت حقوقهم الدستورية في  سياق “الحرب على الإرهاب” ومثلهم أضعاف دمرت حياتهم قتلا وسجنا وإبعادا ومطاردة.

من السهل على الأفراد والدول ادعاء احترام حقوق الإنسان، لكن في المحكَات الأسهل التنكر لتلك الحقوق، بدواعي الأمن والمصالح وأحيانا النوازع الشخصية.

تاريخيا بدا جليا لمن يقرأ تاريخ الغرب كم أن الليبرالية هشة أمام الأزمات، وفي العقد الأخير يمكن ملاحظة الفوارق في التزام الأفراد والجماعات والدول بحقوق الإنسان، يمكن هنا المقارنة بين بريطانيا وأميركا عقب تفجيرات 11 سبتمبر، وبعد تفجيرات القطارات في لندن. تبدو المقارنة لصالح بريطانيا تماما كما هي لصالح أميركا إذا ما قورنت بالبلدان العربية.

لا تتجزأ قضية حقوق الإنسان، سواء في أحداث معان التي مر عليها أكثر من ست سنوات ولا في قضية الصمادي الماثلة أمامنا اليوم، والحمد لله أن أكثرية المجتمع الأردني باتت تمتلك حساسية عالية تؤمن بحقوق الإنسان، وفي الحد الأدنى لا تنزع الأحداث من سياقها. والطريف أن المزاج العام في أميركا بدأ يتغير، لكن من العرب من يحنون إلى أيام بوش وديك تشيني ويتمنون لو أنهم يعودون ويكملون المهمة!

علينا أن ندافع عن الصمادي وننقذه من وحوش الإف بي آي الذين استغلوا جهله وهشاشة شخصيته التي مزقتها مشاكل عائلية وشخصية، وبنفس الوقت نطالب بحقوق من دمرت حياتهم في غوانتنامو، وفوق ذلك نراجع أخطاءنا في أحداث معان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *